تبدأ القصة بتخيل رجل، يجلس مع ابنه الصغير، على أحد الشواطئ، فى يومٍ هادئ تُسمع فيه أصوات الأمواج تتلاطم على الشاطئ، و كأنها تعزف بهدوء شديد، و ترى السحاب من فوقهم و كأنه مرسوم بيد فنان بارع, و في لحظة هدوء، تخرج من البحر سمكة عملاقة، طولها يُقاس بالأمتار، فيهرب الابن ويبقى الرجل ، ثم بعد ساعات ،يجد الرجل ابنه فيُخبره بأنَّ كلبهم الصغير (Max) ، قد أكل السمكة !
في الحقيقة، كلّ من سيقرأ هذه المقدمة سيجدها مقدمة هزلية ؛ إذ كيف أنَّ (Max) سيأكل سمكة عملاقة؟!
لكني سأخبرك بشيء ؟ .. قد يكون الرجل صادقاً، وأنَّ (Max) بالفعل أكل السمكة، و لكنَّه أكل سمكة صغيرة ليست التي رآها الابن الصغير! بهذا التعديل تُصبح القصة منطقية. وهذه هي مشكلة المصطلحات (jargon) كما يُسميها دكتور أحمد إبراهيم في كتابه : « اختراق عقل »
و هذه المشكلة نراها كثيراً في بعض مقالات الشبكة العنكبوتية, فتجد المقال يبنى فكرة غير صحيحة عند القارئ؛ كل ذلك بسبب عدم دقة المصطلحات، فيخرج القارئ باعتقاد خاطئ و يظن بذلك أن «العلم قال كذا » .
دعنا نضرب مثالاً لنناقشه بالتفصيل . فعندما تجد مقالاً عنوانه الرنان كهذا : « هل يمكن لنظام أن ينشأ من الفوضى؟ »[1]

ثم تبدأ في القراءة ؛ لتجد المقدمة تقول : « حسناً، لطالما كان ذلك هو السؤال الأشهر في تاريخنا، كيف يمكن للوردة أنْ تتخذ هذا الشكل المنتظم للغاية؟ الحبّات في قرص عباد الشمس؟، جسم الإنسان ونمط التفاعلات الكيمائية المعقد بداخله؟ الخطوط السوداء في الحمار الوحشي؟ السدم في أعماق الفضاء السحيق؟ المجرات الحلزونية ؟. نحن نعيش في كون يُظهر انتظامًا وتعقيدًا (Complexity) في كل مكان وعلى كل مستوى. ما الذي يحدث هنا ؟»

حتى اللحظة، يعتقد القارئ لهذا المقال، أنَّ ما سيتم ذكره في بقيته هو توضيح للآلية (mechanism) التي تعمل بها كل هذه الأمثلة معاً . وهذا الاعتقاد سببه، أنَّ الكاتب وضع الأمثلة كلها في سلة واحدة مع أنّ هناك فرقا جوهريا بينها سنوضحه الآن ؛ فالكاتب وضع « التعقيد في جسم الإنسان» بجانب « الحبّات في قرص عباد الشمس» ، وهذا خلط في المصطلحات. دعنا نستدعى الدكتور ويليام ديمبسكى ليوضحه لنا ….. . يقول ويليام ديمبسكى فى كتابه :
(The Design Of Life)
« ما هو التعقيد المحدد بالضبط ؟ يُظهر الشيء، أو الحدث، أو البنية تعقيداً محدداً إنْ كان معقداً – لا يُمكن إنتاجه بسهولة بالصدفة – و محدداً ، أي: يُظهر نمطاً محددا مستقلاً .. لا يقتضى التعقيد وحده، و لا التحديد وحده وجود عنصر الذكاء . فمثلاً: إنَّ الحصول على سلسلة من قطع لعبة الحروف المقطعة «السكرابل » [ لعبة تشكيل كلمات من حروف مكتوبة على قطع خشبية] ، مرتبة عشوائياً يعدُّ عملية معقدة و لكنها ليست محددة . بينما الحصول على سلسلة من قطع اللعبة تتكرر بنفس الكلمة يعدُّ عملية محددة و لكنها ليست معقدة . لا حاجة لتفسير حدوث ترتيب القطع بعزوِ ذلك للذكاء في كلا الحالتين . ومن جهة أخرى فإن ترتيب سلسلةٍ من القطع؛ لتعطى نصاً كامل المعنى هو عملية معقدة و محددة ولتفسير حدوثها لابد من عزوِ ذلك للذكاء» [2]

وبالتالي، فإذا عدنا إلى « التعقيد فى جسم الإنسان » ؛ فإنه تعقيد محدد (specified complexity) أي: أنَّه معقد و محدد و يحتوى على [معلومات] و ليس ترتيباً شكلياً و فقط .
و لكنَّ « الحبّات في قرص دوار الشمس»؛ فإنَّها مرتبة ترتيباً جميلاً فقط و لكنها ليست معقدة تعقيداً، محدداً و لا تُعطى معلومات .
فقِس على ذلك شكل الوردة، و الخطوط في الحمار الوحشيّ، فهي أنظمة ليست معقدة تعقيداً محدداً وبالتالي، فلدينا كما نرى الآن ثلاثة مصطلحات :
1- نظام معقد .
2-) نظام محدد .
3- نظام ذا تعقيد محدد .
فبناء على هذا الخلط في المصطلحات يأتي المقال بعد ذلك ليضع أمثلة على أنظمة معقدة أو محددة فقط. ثم يُعممها على أنظمة ذات تعقيد محدد ! ..

نأتي الآن لفكرة أساسية في نفس المقال فيقول الكاتب :
« ظهر مفهوم التنظيم الذاتي سنة [ 1947 ] على يد المهندس الإنجليزي ويليام روس آشبي ، ثم وجد مكانًا جيدًا في النظرية العامة للأنظمة خلال الستينات. و صاغ السيبرنطيقي الشهير هانز فون فورستر مصطلح «نظام من الفوضى» سنة [1960] ، لكنه لم يتخذ مكانًا قويا في الكيان العلمي إلا حينما تبناه الفيزيائي الكيميائي ( physical chemist ) بلجيكي الجنسية الحاصل على نوبل سنة [1977 ] . إيليا بريجوچين حينما قام بدراسة الديناميكا الحرارية للأنظمة البعيدة عن الاتزان
( Systems far from equilibrium )
ثم يُعطى مثالاً يوضح به ما يقصده بريجوجين فتكون النتيجة هى : (ينظم الماء ذاته Self-Organize
عبر تنسيق لحظي بين أجزائه لصنع أشكال سداسية تسمى خلايا الحمل Convection Cells)
الآن نسأل القارئ الكريم : هل هذه النتيجة تقع تحت بند نظام معقد تعقيداً محدداً ؟ أي يحتوى على معلومات ؟ لا بالطبع .. إذاً، كيف نعمم هذه النتيجة على كل الأنظمة بما فيها جسم الإنسان، و ما يحتويه ؛ و الذى نعدَه معقداً تعقيداً محدداً.؟
و لكن المفاجأة الآن أنّ بريجوجين نفسه يوضح فى كتابه – ( Order Out of Chaos ) الذى استشهد به الكاتب كمرجع أول له في مقالته- أن الأنظمة المعقدة تعقيداً محدداً – كالخلية في جسم الإنسان- بعيدة عن أنْ يُحل :كيف تتكون ؟ فيقول :
The problem of biological order involves the transition from the molecular activity to the supermolecular order of the cell. This problem is far from being solved. [3] .
فيكون بذلك الكاتب ملكي أكثر من الملك نفسه ! .. فيُطلق في أول المقال مثالا لعدة أنظمة يضعها كلها في سلة واحدة ،ثم يبدأ في الاستدلال بعد ذلك بأمثلة توضح أنَّ هذه الأنظمة المعقدة يُمكن الوصول إليها من حالة الفوضى ! و لكن بريجوجين نفسه يقول : “This problem is far from being solved” ليس هذا فقط، بل، بريجوجين نفسه يعترف أنه إلى الآن بعيد عن صياغة هذا الكلام فى (نظرية) فيقول فى نفس الكتاب :
(However, we must admit that we remain far from any quantitative theory ” ” [4] ثم يُقدم الكاتب مثالاً آخر « تفاعل بيلوسوف» لدعم الفكرة و تكون النتيجة كما يقول : « لاحظ أناتولي شيئًا عجيبًا، دوائر متحدة المركز تتكون بانتظام غريب و تتلاقى مع بعضها في نمط منظم وبشكل دوري، و لا تتخذ نفس النمط في كل مرة .
و الآن، نسأل القارئ مرة أخرى : هل هذه النتيجة تقع تحت بند « نظام معقد تعقيداً محدداً »؟ بالطبع: لا ..
ثم يُنهى الكاتب مقالته بعد ذلك بالاستشهاد بنتائج الأمثلة السابقة التي ضربها: خلايا الحمل و تكون الدوائر المتحدة المركز، و التي هي أنظمة ليست معقدة تعقيداً محدداً فيعكسها على أنظمة معقدة تعقيداً محدداً ! فيقول :« تنزع الأنظمة للانتظام فقط حينما تكون بعيدة عن الاتزان، و الحياة كصورة من صور النظام بشكل ما هي الحفاظ على حالة من الابتعاد عن الاتزان. [الكائن الحي هو نظام مفتوح] » .
ثم فى مقال تابع لمقاله السابق تحت عنوان « التأرجح على حافة الفوضى» يُكمل الكاتب بأمثلة مشابهة لما سبق [ ليست أنظمة معقدة تعقيداً محدداً] فيتحدث عن انتظام كريستالات الثلج، و كذلك مجموعة ماندلبروت ،والتي تقع تحت ما يُسمى بالـ ( fractal geometer). و لكن كل هذا – كما قلنا – لا علاقة له بإنتاج أنظمة معقدة تعقيداً محدداً و هنا يقع الخلط و سوء الفهم .. فلأن تحصل على بعض الأشكال المرتبة أو الألوان الجميلة كل هذا لا علاقة له بالتعقيد المحدد (specified complexity) .
و لكن وفى النهاية هذا اعتراف من أحد الكتاب فى نفس موضوع « التنظيم الذاتى» و المؤيدين له مؤلف كتاب : ( How Nature Works: The Science of Self-Organized Criticality )
يقول :
” In the popular literature, one finds the subjects of chaos and fractal geometry linked together again and again, despite the fact that they have little to do with each other…. In short, chaos theory cannot explain complexity” [5] الترجمة :
في الأدب الشعبي: تجد موضوع الفوضى يتم ربطه بهندسة الأشكال المرتبة ترتيباً منظماً( fractal geometry) – [ لاحظ أن هذا تعقيد غير محدد] . المرة تلو الأخرى بالرغم من أن هناك القليل من الترابط بينهما ، لكن باختصار نظرية الفوضى لا تستطيع أن تشرح التعقيد « التعقيد المحدد» .
لذلك، لن نتفاجأ إذا رأينا الكاتب بعد هذا الخلط بين « التنظيم و الترتيب الشكلي» و « التعقيد المحدد» ،والذى يدل على تدخل عنصر الذكاء، يُنهى مقاله بهذا المقطع: « دعنا نعيد النظر في مثال ضربناه في المقال السابق: إذا دخلت غرفتك التي كانت غير منظمة بالأمس لتجدها منظمة فسوف تتوقع فورًا أن أحدهم دخل و نظمها، لكن حالات التنظيم الذاتي لا تتطلب وجود تدخل خارجي يبذل طاقة للتنظيم، بل تتطلب بعض« الإنتروبي » لإعطاء النظام قدرًا من التنوع و الزخم لخلق أنماط جديدة، بحيث لا يحتاج النظام لتدخل خارجي» .


المصادر:

[1] إضاءات : هل يُمكن لنظام أن ينشأ من الفوضى ؟ — شادى عبد الحافظ .
[2] William A. Dembski, The Design of Life: Discovering Signs of Intelligence in Biological Systems , P165 .
[3] Ilya Prigogine and Isabelle Stengers, Order Out of Chaos (New York: Bantam Books, 1984), P175 .
[4] Ibid., p. 176.
[5] Per Bak, How Nature Works: The Science of Self-Organized Criticality (New York. Springer-Verlag, 1996)


رابط المنشور على صفحتنا

.

Loading Facebook Comments ...

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here