.





أبرز المُناظَرات العِلْمِيّة في العصر الحديث 2


-2- ألبرت آينشتاين & نيلز بور

يعتبر مؤتمر سولفاي Solvay المنعقد عام 1927م أحد أكثر الاجتماعات العلميّة شهرةً في التاريخ، وعلى الرغم من أن 17 عالم من حاضري المؤتمر الـ 29 كانوا قد حصلوا على جائزة نوبل وبعضهم حصل عليها في وقتٍ لاحق؛ إلا أن شهرته ترجع إلى أشهر نزاع حدث بين أهم عالِمين من عمالقة الفيزياء وهما : نيلز بور Niels Bohr وألبرت آينشتاين Albert Einstein.

ترجع قصة النزاع الذي حصل بينهما إلى سؤالٍ صغيرٍ جدًّا هو: “هل الإلكترونات والضوء (والجسيمات متناهية الصغر الأخرى) موجات أم جسيمات؟”، لقد شكل هذا السؤال إرباكًا حقيقيًّا للفيزيائيين في ذاك العام، إذ تُظْهِر بعض التجارب أن هذه الجسيمات تسلك سلوكًا موجيًّا، بينما تُظْهِر تجارب أخرى أنها تسلك سلوكًا جسيميًّا.

في الحقيقة أن هذه الظاهرة لا يمكن أن تحدث في مستوى عالمنا العياني، فالموجات الصوتية لا يمكن أن تتصرف كالحصى الصغيرة لحسن الحظ، وإلا لامتلأت آذاننا بوخزات اصطدام هذه الجسيمات بطبلة الأذن مع كل صوت يدخلها، وقد عقد مؤتمر ميكانيكا الكوانتم عام 1927 لمناقشة كيفية التوفيق بين عدد من هذه الملاحظات المتناقضة.

تخلل المؤتمر عرض كل من شرودنر Schrödinger ودي برولي de Broglie لأفكارهم، لكن العرض الذي أشعل الجدال كان من نصيب نيلز بور والذي أصبح معروفًا فيما بعد بـ “تأويل كوبنهاغن Copenhagen interpretation”.

تتلخص وجهة نظر بور في: أن هذا الشيء الذي تقوم المعادلات الموجية بوصفه؛ هو في الحقيقة كيانات تشبه الإلكترونات لكنها غير موجودة في الواقع كجسيمات حقيقية، وتبقى على هذه الحال إلى أن يقوم شخص ما بالنظر إليها! أي أن فعل الملاحظة هو الذي أحدث وجود هذه الجسيمات! تؤدي هذه الفكرة إلى نتيجة أغرب بكثير وهي ما عبر عنه بور بقوله أن لا وجود لـ “واقع حقيقي مستقل بالمعنى المادّي المألوف”.

إن هذا التفسير لم يكن يعني لآينشتاين شيئاً، فالإلكترون يبقى إلكترون سواء أوجد شخص ما ينظر إليه أم لا، وسيبقى موجودًا أيًّا كان ما سيحدث. لذا شيئًا فشيئًا جُرَّ آينشتاين إلى تحدي أفكار بور، ولم يكن هذا التحدي سوى البداية، فحتى بعد موت آينشتاين وبور بما يقارب ثلاثة عقودٍ لاحقة بقيت المناظرة مشتعلة بين أفكار هذين العالِمين، بعضها كانت مناظرات مطبوعة وأخرى وجهًا لوجه.

اتسمت مناظرات بور وآينشتاين بالنبل، فقد كانا صديقين شديدي الاحترام لبعضهما البعض، لكنهما كانا صعبي المراس أيضًا، فقد كان بور مصرًّا على أن: “من الخطأ الاعتقاد بأن مهمة الفيزيائيين تتضمن معرفة ماهيّة الطبيعة”، لكن آينشتاين خالف هذه النظرة مشيرًا إلى أن: “ما ندعوه بالعلم لديه هدف واحد، هو تحديد ماهيته”.

لاحقًا أصبحت وجهة نظر بور (تأويل كوبنهاغن) بالرغم من شدّة غرابتها؛ أحد أوسع وجهات النظر العالمية قبولًا في ميكانيكا الكوانتم، وجاءت مبادئ أخرى داعمة لها أبرزها مبدأ اللّادقّة ‘Uncertainty Principle’ لفيرنر هايزنبيرغ Werner Heisenburg وجرت في سياق هذا الجدال عدّة مناورات شهيرة أهمها قطّة شرودنر Schrodinger’s Cat، مفارقة آينشتاين وبودولسكي وروزن EPR (Einstein-Podolsky-Rosen) وتجربة جون بِل John Bell experiment.

قد تبدو التأويلات الأخرى أكثر غرابة، لكن تشير جميعها لحقيقة واحدة فقط هي أن: عالمنا (كما سيخبرك أي فيزيائي) مكان مليء بالغموض، فهو يفاجئنا بحقائق لا يمكن تصورها ثم يمنحنا فرصة تحسسها، ربما في يومٍ ما سنجد هذه الحقائق، لكن حتى ذلك الوقت لا يسعنا إلا الاستمتاع باستكشاف الألغاز المثيرة المحيطة بنا.

المصدر


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟