.





الأهرام المصرية والسودانية؛ أيُّها أقدم؟

الأهرام المصرية والسودانية؛ أيُّها أقدم؟

الأهرام المصرية والسودانية؛ أيُّها أقدم؟؟

تُعَدُّ الأهرام من أقدم المباني التي ما زالت تشهد بالقوة الجسمية والإرادة الفولاذية للإنسان القديم، فرغم مضي آلاف السنين على تشييدها ما زالت قائمة على أركانها تُدهش العالم بقوتها وجمالها ودقة تصميمها، وقد ألَّف الباحث الجورجي “بيير كروزات” كتابًا أسماه “عبقرية الأهرام” تساءل فيه – مُبرزًا فرادة هذه المباني – كيف تمكَّن بنَّاؤوها من بنائها؟ ولِمَ لا يُمكننا اليوم بناء مثلها رغم تطوُّر العلم والتقانة؟

——————————————————-

يقول علماء الآثار إن ملوك مصر القدامى كانوا يؤمنون بالبعث بعد الموت؛ لذا جعلوا لأنفسهم “مصاطب” تطوَّرت إلى أهرام ضخمة راقية يعيشون فيها حياتهم الأبدية بعد موتهم، وقد سمَّوها (حصن الخلود), ومن أدلة هذا اهتمامهم الكبير بهذه المباني التي صمدت قرونًا في حين لم يصمد أيٌّ من قصورهم أو بيوت رعيَّتهم, وهذه النظرية يدعمها كثير من علماء الآثار عربًا وعجمًا، ولكن خرجت نظرية أُخرى قال بها “زهير علي شاكر”, وألَّف فيها كتابًا أسماه “أهرام مصر قلاع لا قبور”, تكلَّم فيه عن الأهداف الحقيقية من بناء تلك المصاطب والأهرام، وأنها تتمثل في الدفاع عن الوطن؛ إذ كانت مبانٍ عسكرية؛ قال: «تبيَّن لي أن هذه الأهرام – كما يدلُّ عليها عنوان هذا الكتاب – هي بكل محتوياتها ولواحقها وسوابقها من المصاطب… إلخ؛ قلاع وحصون ومنشآت عسكرية حدَّد القدماء جميع مواصفاتها من اختيار موقعها؛ إلى تحديد ارتفاعاتها؛ إلى تصميم أدق تفاصيلها؛ من أجل القيام بهذا الغرض العسكري الدفاعي» [1].

——————————————————

أول هرم مصري وتاريخ بنائه:
تُعَدُّ الأهرام المصرية الأشهر والأقدم في العالم؛ إذ أول ظهور لها عام 2780 قبل الميلاد، وأول هَرَمٍ مُدرَّج شُيِّدَ كاملاً حسب علماء الآثار هو هرم “زوسر” في “سقارة”، ويُعدُّ مع سوره وما يضمُّه من معابد أقدم بناء ضخم من الحجر الجيري في تاريخ البشرية؛ أُقيم قبرًا للملك “زوسر” في “سقارة”، وسوره من الحجر الجيري الأبيض كان ارتفاعه 10.40 مترًا، وأبعاده من الشمال إلى الجنوب 545 مترًا، ومن الشرق إلى الغرب 277 مترًا، وله أربع عشرة بوابة منها ثلاث عشرة بوابة رمزية؛ أي مرسومة فقط على السور، وبوابة واحدة حقيقية تقع في الجزء الجنوبي من الواجهة الشرقية, [2] أما أول هَرَمٍ حقيقي فشيَّده المصريون في عهد الملك “سنفرو” مؤسس الأسرة الرابعة بعد مئة عام تقريبًا من هرم “زوسر”, وهكذا ليس هَرَمُ الجيزة الأكبر أقدم أهرام مصر؛ لأنهم حين فكَّروا في بنائه قبل أكثر من 4600 سنة كانت هناك أهرام أُخرى مُشيَّدة على مقربة منه، وكان المعماريون العظماء الذين شيَّدوه قد أتمُّوا مِرانهم في أهرام الملك “سنفرو” التي شيَّدوها على مسافة تقل عن ثلاثة وعشرين كيلومترًا جنوبي المكان الذي اختاروه لتشييد هَرَمِ الملك الجديد, [3] وكانت البداية في عهد “سنفرو” بتشييد هَرَمٍ يُسمَّى (الهرم المنحني)، وقد بنوه في “دهشور”, وأشرف على بنائه ابنه الأمير “كانفر”، وهو فريد من نوعه؛ لأن فيه تغيُّرًا في زاويا وجوهه الجانبية التي يُفترض أن تكون مستقيمة، ويعزو بعض علماء الآثار هذا إلى أن مهندسه خشي الاستمرار في تشييده حسب زاويته الأصلية؛ لأنه سيجعل البناء ثقيل الوزن إلى حدِّ تحطيم سقف الحجرات الداخلية والدهاليز، وقد ظهرت بالفعل بعض الشروخ في تلك الأماكن, فمُلئت قديمًا بالجصِّ. [4]

————————————————–

الأهرامات السودانية وبدايتها:
تحظى منطقة النوبة بمكانة مميزة جدًّا عند علماء التاريخ والآثار والاجتماع؛ لأنها رقعة عرفت عدة تطوُّرات حضارية من جهة, ومن جهة أخرى لأنها عرفت صراعات حضارية بين أُمم أفريقية قديمة؛ كما أكَّد عالم الآثار البريطاني “والتر إيمري” في كتابه “مصر وبلاد النوبة”، وقد توالت الدراسات وكثرت حول هذه الرقعة, ولكن يبقى هذا الجزء من العالم مجهولاً بالنسبة إلى كثيرين.
تنقسم النوبة إلى قسمين رئيسين؛ هما: النوبة السفلى, وتُدعى في العالم القديم (واوات), وتقع حاليًّا داخل الحدود المصرية، والنوبة العليا, وتُدعى في العالم القديم (كوش), وتقع حاليًّا داخل الحدود السودانية، ثم بعدها أُطلق اسم (كوش) على مجموعهما، كما أُطلقت على هذه المنطقة عدة أسماء؛ منها: “تانحسيو”, و”أيونت”.
وقد خضعت النوبة في بعض العصور للمصريين، ثم تمكَّن بعض حُكَّام الجنوب – واسمه “كشتا” – من السيطرة على الشمال, فحكم مصر, ومن بعده هاجمها “بيعنخي”, وأخمد مقاومة ظهرت فيها, ثم رجع إلى السودان، وقرَّر أن يبني لنفسه ولأسرته أهرامًا ليُدفنوا فيها؛ بعدما تأثَّر بأهرام مصر, ولم تكن الأهرام التي بناها ضخمة كأهرام مصر, وإنما كانت صغيرة تكفي للإشارة إلى مُلْكِهِ وقُوَّتِهِ، وأقدمها الهرم الذي حمل اسمه “بيعنخي” في “الكورو” التي تبعد نحو ثمانية كيلومترات جنوبي العاصمة “نبتا”, أما مَنْ خَلَفُوه ففضَّلوا منطقة “النوري” على الضفة الأخرى من النيل، وبنوا فيها أهرامًا لأنفسهم ولزوجاتهم وللأمراء والأميرات, [5] وفي السودان حاليًّا أهرام: الكورو، والنوري، ومروي.

————————————————-

خاتمة:
أكد علماء الآثار أن الأهرام السودانية بدأ بناؤها في عهد “بيعنخي” الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، أما الأهرام المصرية فقد سبقتها بقرون كثيرة، وما هذه إلا نظريات لعلماء الآثار يُطلقونها وفق الدراسات التي يُجرونها في الآثار الحاضرة, ولا يستحيل اكتشاف أهرام مدفونة في السودان تكون قديمة قِدَمَ الحضارة السودانية، وما هَرَمُ كازاخستان من هذا ببعيد.

————————————————–

المصادر:
[1] زهير علي شاكر، أهرام مصر قلاع لا قبور، دار الهلال، القاهرة، 1993، ص30.
[2] سمير أديب، موسوعة الحضارة المصرية القديمة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1, 2000، ص499.
[3]أحمد فخري، الأهرامات المصرية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963، ص7-8.
[4] خالد عزب، أيمن منصور، الأهرامات المصرية، عين للدراسات والبحوث، المريوطية (مصر)، ط1, 2000، ص249.
[5] أحمد فخري، المرجع نفسه، ص348.

 


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟