.





التّجارب على الحيوانات: لماذا تبقى أساسيةً في البحث العلمي؟

التّجارب على الحيوانات لماذا تبقى أساسيةً في البحث العلمي؟

4708 – التّجارب على الحيوانات: لماذا تبقى أساسيةً في البحث العلمي؟

إذا كان الإنسان قد استعمل الحيوانات منذ القدم لإشباع غريزته العلمية، وفهمه لوظائف الكائن الحي، فإنه فقط في أواخر القرن الثامن عشر، بدأ يفكّر أن هذا الحيوان يمتلك إحساساً و يتألم أيضاً. هذا الفهم الجماعي للحيوان و تألمه وضع السؤال حول الحقّ باستخدامه، وأحيانا التضحية به من أجل مصلحة الإنسان. وبالرغم من الإطار القانونيِّ الذي أعطاه الشرعية، فإن البحث العلميّ والتّجاربَ على الحيواناتِ يمكن أن تصبحَ موضعَ خلاف.
وبالرغم من أن إسهام استخدام الحيوان في التقدم الطبي لا يمكن نكرانه، إلا أنه يندرج في سياق اجتماعي يستوجب إعادة النظر في استخدام هذا الحيوان، هذا الاستخدام الذي يتعدى المجال العلمي و البحثي ليصبح ذا قيمة معنوية بالنسبة للإنسان. لكن كمواطنين و باحثين، نريد إجابة إيجابية حول السؤال التالي: “هل يمكن الاستغناء عن الحيوانات في البحث العلمي؟”.

** التجارب على الحيوانات: ماذا يقول القانون ؟
أظهرت دراسة استقصائية عام 2010 أن 60% من الأوروبيين والأتراك الذين تم اختبارهم يوافقون على استعمال الفئران للتجارب، لكن 44% فقط يوافقون على استعمال الكلاب والقرود في هذه التجارب. وفي نفس السنة قام الاتحاد الأوربي بتبني توجه جديد (2010/63/UE) يهدف الى تأطير و حماية الحيوانات المستعملة في الأبحاث العلمية والتعليمية. وبالرغم من هذا التقدم، و بعد سنتين، جمعت مبادرة المواطن الأوروبي (ICE) “أوقفوا التشريح” أكثر من مليون توقيع و هدفها وقف استخدام الحيوانات في الأبحاث العلمية. هذا الضغط الاجتماعي ساهم في إرساء عدة قوانين، من بينها إرساء الاتحاد الأوربي مرسوم (2013-18) من القانون الزراعي في خمسة فصول، ينطبق على كل الفقريات غير البشرية من راسيات الأرجل والحبار والأخطبوط عبر جميع مراحل الاستخدام، حيث يتم مراقبة كل المراحل بدءاً من التربية وانتهاءً بالتجارب عليها وفقاً لقوانين تم وضعها، وهذا ينطبق على كل المؤسسات التي تقوم بالتجارب وكذلك المربين و موزعي هذه الحيوانات. أما الأشخاص الذين يتعاملون مع هذه الحيوانات فيجب أن يحصلوا على تكوين علمي مؤطر من وزارة الفلاحة ويستجيب لبرنامج قانوني موضوع.
قاعدة – 3R Règle des 3R
وأخيراً كل بحث علمي على الحيوانات يجب أن يتم الترخيص له من طرف الوزارة المعنية. من أجل الحصول على هذا الترخيص الذي لا تتعدى صلاحيته 5 سنوات، صاحب المشروع يتقدم بطلب لدى وزارة البحث العلمي و التي تمرره إلى لجنة الأخلاقيات في البحث الحيواني لدراسته لمدة لا تتعدى 40 يوماً، حيث تجبر الباحث أو صاحب المشروع البحثي على تفنيد رغبته في استعمال حيوان معين في تجاربه، وتأكيد عدم وجود وسيلة أخرى للقيام بنفس العمل دون استعمال الحيوان.
الملف جد تقني و يتم فيه توضيح جميع مراحل التجربة و سبل تقليل الألم اثناء الجراحة أو القتل، لكن يجب ان يخضع لقاعدة 3R – تخفيض (Réduire), صقل (Raffiner) و تعويض (Remplacer) – للباحثين الانجليزيين William M. S. Russell و .Rex L. Burch
1. تخفيض: و الهدف هو استعمال أقل عدد من الحيوانات من أجل الحصول على النتائج المرتقبة من التجربة.
2. صقل: خفض مستوى تألم الحيوان إلى أدنى حد من أجل راحته وعدم تعذيبه.
3. تعويض أواستبدال: تتجلى هذه القاعدة في استبدال الحيوان بنموذج نسيجي او خلوي من أجل القيام بنفس التجربة.

** ماذا يقدم النموذج الحيواني للبحث العلمي ؟
البحث الحيواني ليس بوادٍ طويل و هادئ، لكن أهميته لم تتناقص عبر تاريخ الطب، و الدليل على ذلك، أن باستور (Louis Pasteur ) قام في عام 1885 بإنتاج أول لقاح مضاد لداء الكَلَب (السّعار) بفضل استخدام الكلاب. وفي عام 1913 تم شرح مبدأ التخطيط الكهربائي (électrocardiogramme) من طرف ويليم اينتهوفن Willem Einthoven باستخدام الخنزير. وأولى الدراسات حول مرض السيدا سنه 1980 تمت بالموازاة عند المرضى و القرود.
وبفضل بعض أصناف الخفافيش، تم سنة 2000 اكتشاف العلاج الجيني (gene therapy) لدى “أطفال الفقاعات” من طرف مارينا كازافانا (Marina Cavazzana) من جامعة باريس-ديكارت, Alain Fischer و Salima Hacein-Bey Abina من مستشفى نيكير Hôpital Necker في باريس. و الأمثلة اليوم لا تعد في المجال البحثي و السريري باستخدام أصناف متنوعة من الحيوانات. نذكر على سبيل المثال، الفئران التي تمثل الحيوان المفضل للباحثين ( 60.9% من الحيوانات التي تم استخدامها سنة 2011 للأبحاث في أوربا), سهل التكاثر و التحكم فيه و يتوفر على عدة تشابهات فيزيولوجية و جينية مع الانسان و بالتالي تسهل دراسة بعض الامراض لدى هذا الأخير. المثال الثاني وهو سمك الزيبرا (zebra fish)، وتكمن أهميته في أن صغاره تتكاثر خارج مياه البحر و بيضاته شفافة، من جهة أخرى يتكاثر بأعداد كبيرة و بوتيرة سريعة وبالتالي فهو الحيوان المفضل لدراسة نمو الأعضاء وكذلك بعض امراض السرطان. والمثال الأخير وهو ذبابة الفواكه (Drosophile), حيث تمت دراستها منذ قرن من الزمن، و هي أيضا تمتلك دورة حياة قصيرة و تتميز بعدة تشابهات جينية مع جينات البشر، وبالتالي تعتبر وسيلة قوية في البحث العلمي.

** لكن غدا ما هي البدائل ؟
بالنسبة لبعض الباحثين مثل Sophie Visvikis-Siest من جامعة اللورين, فإن إيجاد مؤشرات (markers) كيميائية و بيوكيمياوية بالإضافة إلى دراسات ابيدميلوجية تأكد الاختلافات بين أفراد النوع وبالتالي لا يمكن وضع نموذج حيواني لدراسة ظاهرة معينة، لها يمكن إدماج كل المعطيات في برامج رياضياتية و تحليلها اعتمادا على أساليب إحصائية باستعمال حواسيب لدراسة هذه المكونات.
وهناك مقاربة أخرى باستعمال الخلايا الجذعية، و تتجلى في استخدام أنسجة أو خلايا حية من أجل تجربة أدوية معينة أو استنساخ أمراض مختلة و دراستها في المختبر على خلايا متخصصة.
وفي الختام فإنه يمكن الاعتبار أن التجارب على الحيوانات تبقى ضرورة أساسية من أجل تطويح منظومة الصحة البشرية، لكن يجب رعاية هذه الحيوانات و الإحسان اليها. وفي المقابل لا يمكن الإجابة بنعم أو لا على ضرورة الحيوانات في البحث العلمي، فيبقى لكل رأيه و تصوره، أما الاختلاف حول هذا الموضوع فلا يمكن أن يحل قريبا.

ترجمة عن : مجلة Science&Santé عدد 30, مارس- ابريل من العام 2016
#الباحثون_المسلمون


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟