.





الخرسانة وتاريخها

الخرسانة وتاريخها

– الخرسانة وتاريخها:
إسمنتٌ ورُكامٌ ورَمْلٌ وقليلٌ من الماء؛ بهذا الخليط تكون قد حصلت على أكثر مواد البناء شيوعًا واستخدامًا في مجال الإنشاءات عالميًّا، فرغم بدائية مكونات هذا الخليط تُنتج منها مادة صلبة قوية متينة كالصخر مثالية لتشييد أنواع المنشآت البشرية من مبانٍ وجسورٍ وسدودٍ وأنفاقٍ وناطحاتِ سحابٍ, وتُسمى (الخرسانة).

*تاريخ الخرسانة:
الخرسانة, وبالعامية (الباطون) أو (البيتون)، وبالإنكليزية Concreteمن المصطلح اللاتيني Concretus أي مرصوص ومترابط, وقد كُتب كثير عن المنشآت الخرسانية للإمبراطورية الرومانية، وأن الرومان استعملوا الخرسانة مادة بناء رئيسة فيما شيَّدوه, ويرى كثير من الباحثين أن أول استعمال فعلي للمادة الإسمنتية (اللاحمة) حدث في إيطاليا في القرن الثاني قبل الميلاد؛ إذ عُثر على نوع خاص من الرمل البركاني يُدعى (البوزولانا) Pozzolana قريبًا من خليج نابولي في إيطاليا, [1] وقد كان هذا الرمل يُستعمل في صناعة الإسمنت وقتها، ويُستخدم لدمج الصخور معًا لصُنع الخرسانة عن طريق تفاعُل رمل البوزولانا كيميائيًّا مع الجير والماء لتتصلب وتُنتج كتلة شبيهة بالصخر، ثم استعمل الرومان هذا الخليط من المواد لبناء الجسور، والأحواض المائية، ومصارف المياه، والمباني أيضًا, [1] وتُشبه الخرسانة الرومانية خرسانة الإسمنت البورتلندي الحديثة؛ إذ لم تكن أبدًا مادة لدنة تنساب في قوالب البناء, وفي الواقع لا يُمكن الفصل بين ما يُمكن تسميته (أول خلطة خرسانية في العالم) وبين ما هو ركام متلاصق؛ أي الخرسانة الرومانية آنذاك, [1] ويُمثِّل معبد البانثيون وقُبَّته أنموذجًا للخرسانة الرومانية, ويُجسد العمارة الرومانية بأبهى صورها، وقد انتهى إنشاؤه عام 217 بعد الميلاد، وما زال صامدًا ليومنا هذا!
وأول استعمال حديث للخرسانة كان في القرن التاسع عشر الميلادي، ففي عام 1820 حَصَلَ بنَّاء الحجر الإنكليزي جوزيف آسبن على براءة اختراع إسمنت مُحسَّن سمَّاه (الإسمنت البورتلندي)؛ نسبة إلى الحجر الطبيعي في جزيرة بورتلاند، وما زال هذه الإسمنت البورتلندي الأكثر شيوعًا واستخدامًا في صناعة الخرسانة الحديثة إلى يومنا هذا. [1]

*حديد التسليح:
لم يعُرف حديد التسليح حتى القرن الثامن عشر، فالخرسانة الرومانية لم تكن مُسلَّحة وإن استعمل الرومان الحديد في تشييد بعض منشآتهم، إلا أنهم لم يكونوا يملكون أدنى معرفة بعلوم تصميم الخرسانة المسلحة وأساسياته، وبقيت الخرسانة العادية غير المسلحة هي السائدة حتى عام 1850 حين صنع المزارع الفرنسي جان لويس عدة قوارب تجديف، ودَعَمَها بأسلاك وقضبان حديدية، ثم خطَّط لاستعمال الحديد مادة بناء مع الخرسانة، وفي عام 1856 قدَّم طلبًا للحصول على براءة اختراع, [1] وفي عام 1854 بنى المعماري البريطاني وليام وليكنسون خيمة للخدم مكونة من طابقين، وسلَّح الأرضية والسقف بأسلاك وقضبان حديد، ووضع الحديد بحيث يُقاوم إجهادات الشد, مما دلَّ على فهمه المبادئ الأساسية للخرسانة المسلحة، ونال براءة اختراع لأنه أول من بنى بهذه الطريقة, [1] ومن الجدير بالذكر أن هنالك عدة أشخاص كان لهم دور كبير في استعمال حديد التسليح في القرن التاسع عشر؛ منهم: جوزيف مونيير عام 1867، وليام وارد 1871. [1] الخرسانة المسلحة في القرن التاسع عشر:
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
رغم بعض الاستثناءات استُعملت الخرسانة في القرن التاسع عشر الميلادي فقط في تشييد الأبنية التجارية, ولم تحظ حينها بقبول المجتمع؛ لأسباب جمالية, ثم دخلت في تشييد المنازل ما بين عامي 1850-1880، وكما ذُكر كان بيت الخدم الذي بناه البريطاني وليام وليكنسون عام 1854 أول بيت مصنوع من الخرسانة المسلحة في العالم, وعام 1875 بنى المهندس الميكانيكي وليام وارد أول منزل خرسانة مسلحة في أمريكا، ولجعله مقبول اجتماعيًا شيَّده بحيث يُشبه البناء الحجري, [2] والطريف أنه استعمل الخرسانة المسلحة لأن زوجته كان تخشى النيران، ومن المعروف أن مقاومة الخرسانة للحريق أفضل بكثير منها في الخشب, وقد كانت هذه بداية الخرسانة في أمريكا, في حين تبلغ قيمة قطاع الخرسانة اليوم في أمريكا 35 مليار دولار, ويعمل في هذا القطاع أكثر من مليوني شخص في أمريكا وحدها فقط. [2] وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأ تطوُّر حديد التسليح، ولكن لا يَسعُنا القول إن الفضل في هذا يرجع إلى فردٍ واحد؛ إذ أسهم فيه كثير؛ منهم: الألماني غوستاف وايس، والفرنسي فرانسوا هانبيك، والأمريكي إرنست رانسوم. [2] اشترى غوستاف وايس براءة اختراع من الفرنسي جوزيف مونير الذي كان عامل حديقة اكتشف حديد التسليح عام 1867 عندما قرر صُنع قوارير الزرع من الخرسانة بدلاً من الطين والخشب، عندها لاحظ أن القوالب المصنوعة من الخرسانة فقط غير متينة كفاية، فوضع شبكة حديدية قبل صبِّ الخرسانة، ولاحظ فرقًا في القوة. [2] أما فرانسوا هانبيك فبدأ بناء منازل من الخرسانة المسلحة في فرنسا أواخر عام 1870، وحاز براءة اختراع في فرنسا وبلجيكا لِمَا حقَّقه نظامه من نجاح باهر، ثم عرض طريقته في البناء في مؤتمرات عدة. [2]

في حين حاز إرنست رانسوم براءة اختراع عام 1877 بعدما ثنى قضبان الحديد المربعة لتحسين الترابط بينها وبين الخرسانة. [2] وعام 1902 بنى المعماري الفرنسي آغست بيريت مبنى سكنيًّا من الخرسانة المسلحة وضع فيها حديد التسليح في الأعمدة والأسقف، وحَرِصَ على أن تكون واجهة المبنى جميلة ليحظى بقبول الناس، وقد كان لهذا المبنى أثرٌ مهمٌّ في انتشار الخرسانة مادة معمارية؛ إذ غيرت الرأي السائد عند الناس آنذاك, وهو أن الخرسانة لا تصلح للمباني السكنية؛ لأنها ليست جميلة معماريًّا. [2] وبذا اجتاحت الخرسانة عالم الإنشاءات, وسجَّلت حضورها الملحوظ في أواخر القرن التاسع عشر، ولو أردنا الحديث مُفصَّلاً عن دخول الخرسانة عالم الإنشاءات كلَّه لكان ذلك في صفحات عدة، ولكن ما يُهمُّنا في هذا السياق أنه من عام 1900 إلى يومنا هذا شهد قطاع الإنشاء تطوُّرًا كبيرًا إثر اكتشاف الخرسانة المسلحة.
وفيما يأتي سرد يسير لِمَا أحدثته الخرسانة في مجال الإنشاءات:
1. عام 1891 أُنشئ أول طريق خرساني في العالم في الولايات المتحدة في ولاية أوهايو، وقد صُبَّ بخرسانة ذات قوة كسر تساوي 550 كغم/سم2. [2] 2. عام 1903 شُيِّدت أول ناطحة سحاب في العالم مصنوعة من الخرسانة المسلحة، وأيضًا كانت في الولايات المتحدة في ولاية أوهايو. [2] 3. عام 1911 شُيِّد أول جسر خرساني مُعلَّق في العالم ليحمل أنواع الأحمال جميعها, وهو جسر Risorgimento في روما، وبلغ طول المسافة المعلقة منه 100 متر. [2] 4. عام 1913 أُوصلت أول حمولة من الخرسانة الجاهزة إلى ولاية ميرلاند في أمريكا. [3] 5. عام 1921 بنى المهندس الفرنسي يوجين فريزنيه مستودعًا ضخمًا للطائرات على شكل قوس للمطار الفرنسي. [2] 6. عام 1935 شُيِّد أول سدٍّ خرساني في العالم، وهو سدُّ هوفر في الولايات المتحدة، وقد بلغت كمية الخرسانة المستعملة في تشييده قرابة 2.5 مليون متر مكعب [2]

الخرسانة المسلحة اليوم:
°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مما لا يخفى على أحد مركزية الخرسانة المسلحة في مجال الإنشاءات اليوم؛ إذ يُنتج أكثر من ملياري طنٍّ من الإسمنت سنويًا، ومن المتوقع بحلول عام 2050 أن تصل نسبة إنتاج الإسمنت إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه عام 1990. [4] ولا يسعنا الحديث عن الخرسانة من دون التطرق إلى أثرها السلبي على البيئة؛ إذ ينتج عن صناعة الإسمنت انبعاث غاز ثنائي أكسيد الكربون CO2بنسبة 800 كغ من CO2 لكل 1000 كغ من الإسمنت, وتبلغ نسبة CO2 المنبعث إثر إنتاج الإسمنت 5% من إجمالي CO2عالميًّا، وتُسهم الصين وحدها في 3% من إجمالي CO2عالميًّا. [4] ويظن بعضهم أنه الخرسانة مادة شديدة التأثير على البيئة, في حين أنها في الواقع ذات تأثير قليل, ولكن لإنتاجها بكميات ضخمة أثرٌ جسيم في البيئة، ولو أنها استُبدلت بها مادة أخرى كالفولاذ مثلاً لكان أثرها أسوأ في البيئة. [4] عندما يختار المهندسون مادة بناء ينبغي لهذه الماد أن تُحقِّق عدة شروط ومعايير؛ منها:
1. العوامل الاقتصادية: تُؤثر في سعر مادة البناء مؤثرات عدة غير صافي التكلفة للمادة نفسها، ومن هذه المؤثرات: مدى توفُّر المادة الخام وسعرها, وكلفة التصنيع, وكلفة النقل, وصعوبة وضع المادة في الموقع, وتطلُّبها الصيانة؛ [5] أي إن اختيار مادة الإنشاء المثالية لتشييد مبنى معين في مكان معين يعتمد على أمور كثيرة تُسهم كلها في تسعير هذه المادة، ففي ولاية هاوستون الأمريكية مثلاً يقع أقرب مصدر للركام (المكون الأساس للخرسانة) على بُعْدِ 150 كم من المدينة، مما يزيد سعر الخرسانة في هذه المدينة إلى الضعف، ومن ثم يكون الفولاذ خيارًا أفضل للإنشاء, [5] أما في وطننا العربي فلا تتوفر مادة خام لتصنيع الفولاذ؛ إذ يُستورد من الخارج ثم يُركَّب ويُلحم محلِّيًّا, فتكون كلفته باهظة جدًّا مقارنةً بالخرسانة التي تتوفَّر مكوناتها كلُّها محلِّيًّا وبأسعار زهيدة؛ [5] أي إنها خيار مثالي للإنشاء في بلادنا؛ إذ قد يصل سعرها إلى ربع سعر الفولاذ أو أقل, وهذا على العكس مما في الولايات المتحدة, [5] ولكن رغم هذا كلِّه لا يُمكن تعميم قاعدة بخصوص المادة الأمثل للإنشاء, فلكل منشأة خصوصيتها ومتطلباتها.
2. الخصائص الميكانيكية: أي سلوك المادة عند تطبيق الأحمال الخارجية عليها, ولهذا السلوك مصطلحات ومفردات علمية تُهِمُّ أهل الاختصاص أكثر من غيرهم, [5] وأبرزها ما يُعرف بـ(معامل المرونة)، وتعني عمليًّا أنه كلما زاد معامل المرونة لمادة ما زادت قابليتها للتشوه قبل أن تفشل؛ أي إنها ستكون كالمطاط؛ تتشوَّه كثيرًا عند تطبيق الأحمال عليها, ولكنها لن تفشل، ولنُمثِّل لهذا بجسر مصنوع من الفولاذ، فحين وضع أيِّ وزنٍ عليه سيبدأ الجسر بالتقوِّس للأسفل إثر تطبيق الأحمال عليه، وسيتقوَّس تقوُّسًا كبيرًا قبل أن ينهار، أما لو كان مصنوعًا من الخرسانة فلن يتقوس إلا قليلاً جدًّا وسينهار فجأة؛ لذا يُعدُّ الحديد مادة لدنة، والخرسانة مادة قصفة (يُنظر الشكلان 1 – 2), وعليه يستحيل أن تكون الخرسانة وحدها مادة بناء مستقلة، ولا بُدَّ من تسليحها بالفولاذ الصلب.
1. خرسانة أُضيفت إليها مواد خاصة لتصير مرنة كالحديد
2. خرسانة قصفة عادية من دون تسليح
3. الخصائص غير الميكانيكية: أي التي لا ترتبط بتأثير الأحمال عليها، كالكثافة ومعامل التمدد الحراري، وخصائص سطح المادة. [5] ولمعرفة أثر الكثافة في اختيار المادة الإنشائية لا بُدَّ من المقارنة بين وزني الخرسانة والفولاذ؛ إذ يبلغ وزن المتر المكعب من الخرسانة المسلحة 2500 كغ، بينا يبلغ وزن المتر المكعب من الفولاذ 7850 كغ تقريبًا، فالفرق كبير؛ إذ يبلغ وزن المتر المكعب من الفولاذ قرابة ثلاثة أضعاف وزن الخرسانة؛ لذا تُصمَّم المقاطع الفولاذية دائمًا مُفرَغة لا مُصمَتة, وأيضًا لأن الفولاذ ذو قوة عالية فلا يُؤثِّر في قوة تحمُّل مقاطعه أن تكون مُفرَغة, بينما 90% من مقاطع الخرسانة مُصمَتة, ولا بُدَّ من التنبيه إلى فرق القوة بين الفولاذ والخرسانة؛ إذ إن الخرسانة أضعف بكثير من الفولاذ؛ لذا تكون مقاطعها مُصمَتة لتتحمل الإجهادات الواقعة عليها.
4. اعتبارات صُنْعِها والإنشاء بها: ربما تتناسب المادة المختارة لتنفيذ مبنى معين مع مُتطلَّبات المهندس الإنشائي جميعها، ولكن قد يحول دون اختياره هذه المادة عدة عوامل تنفيذية؛ منها: توافر المادة محلِّيًّا، وسهولة تشكيلها مُتطلَّبات المبنى، ووجود عمالة مهارة متقنة العمل بها, علمًا أن العمل مع الهياكل الفولاذية أسهل من العمل مع الخرسانة؛ إذ إن الأخيرة تتطلَّب نَصْبَ قوالب خشبية للصَّبِّ، ومن ثم تسليحها بالحديد، ثم صبَّها، بينما يصل الفولاذ جاهزًا من مصنعه, وما على العامل إلا وصل العناصر الإنشائية بعضها ببعض؛ إما بالبراغي وإما بالتلحيم, [5] ومع هذا يبقى خيار الخرسانة أرخص من خيار الفولاذ في معظم البلاد العربية؛ بسبب بدائية مكوناتها وتوفُّرها بكثرة، على عكس الفولاذ.
5. الخصائص الجمالية: أي منظر المادة الإنشائية، وهذا مسؤول عنه بعامة المهندس المعماري, ولكن ينبغي للمهندس الإنشائي العمل مع المهندس المعماري للتأكد من أن النظام الإنشائي للمبنى ومواصفاته يتفق مع رؤى المهندس المعماري, [5] ذلك أن نسبة جيدة من الميزانية العامة لإنشاء كثير من المشاريع العامة؛ تُخصَّص للجانب الفني في المنشأة, ومن ثم يُشجَّع المهندسان الإنشائي والمعماري ليتعاونا معًا لزيادة قيمة المنشأة ولتخفيف الكلفة قدر الإمكان؛ لذا على المهندسين الإنشائيين إدراك حقيقة أن هنالك كثيرًا مما يُراعى عند اختيار مادة البناء المناسبة غير مواصفاتها التقنية.

مراجع :
[1] https://www.memphis.edu/ce/index.php
[2] https://www.nachi.org/history-of-concrete.htm
[3] https://www.kuhlman-corp.com/history-of-concrete
[4] https://www.rsc.org/images/Construction_tcm18-114530.pdf
[5] ttps://drive.google.com/file/d/0B5YLpbJnZ6JtREpTU1ZCYzIyVm8/view

#الباحثون_المسلمون


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟