.





انكماش الخرسانة – الجزء الثاني

انكماش الخرسانة – الجزء الثاني

شرحنا بالمقال السابق آلية الانكماش عموماً والانكماش اللدن كذلك، واليوم نكمل بالأنواع الأخرى للانكماش، وهي:

انكماش الجفاف – Drying Shrinkage:
كما أن إماهة الأسمنت (Hydration of Cement) عملية مستمرة وممتدة، فإن انكماش الجفاف مستمر كذلك عندما تتعرض الخرسانة لظروف الجفاف، وانكماش الجفاف يشابه إلى حد كبير آلية جفاف عينات الخشب (timber specimen)، ففقد المياه الحرة في الخرسانة المتصلدة (hardened concrete) لا يغير من أبعاد الخرسانة تغييراً يُعتدُّ به، بل فقد المياه التي في المسام الهلامية (gel pores) هو ما يسبب ذلك، وتحت ظروف الجفاف يُفقد الماء الهلامي بالتدريج وعلى المدى البعيد ما بقيت الخرسانة في ظروف الجفاف تلك، وقد يستمر هذا النوع من الانكماش لشهر أو أكثر من وقت الصب.
عجينة الأسمنت (ولها الحظ الأكبر من بين مكونات الخرسانة في حدوث الانكماش) تنكمش أكثر من المونة (mortar) والمونة تنكمش أكثر من الخرسانة، كلما زادت مساحة السطح المعرض للانكماش زاد مقداره؛ وعليه فإن الخرسانة التي خلطت بركامٍ (Aggregates) صغير الحجم تنكمش أكثر من الخرسانة ذات ركام كبير الحجم، والخرسانة التي مادتها الهلامية أكثر نعومة ودقة تعاني انكماشاً أكثر من نظيراتها، و لتوضيح ذلك يمكننا الاستعانة بالمثال الآتي: تخيل معي أن هناك مكعباً بطول عشَرة سنتيمترات، فيكون مجموع مساحات أسطحه (6 أوجه×10×10) 600 سم مربع، لنفترض إذن أننا قمنا بتقسيمه إلى جزأين فقط، فتكون مساحة كليهما معاً تساوي مساحة المكعب مضافاً إليه مساحتا وجهين جديدين ظهرا عند التقسيم، لتكون المساحة الكلية لهما 800 سم مربع، وهكذا تزداد مساحة السطح كلما صغر حجمه ومن ثم يزيد الانكماش، 

الانكماش الذاتيّ – Autogeneous Shrinkage:
أو ما يعرف بالانكماش الجوهري؛ وهو الانكماش نتيجة التفاعلات الكيميائية بين الأسمنت والماء والتي تعرف بتفاعلات الإماهة، ولا يتضمن تأثيرات بيئية كالتغير في درجات الحرارة والرطوبة، يستمر لأيام وقد يسميه بعضهم بالانكماش الكيميائي في الساعات الأولى من صب الخرسانة.
إماهة الأسمنت كما ذكرنا عملية ممتدة وتتطلب المزيد من المياه، وفي الخرسانة ذات نسبة ماء إلى أسمنت (w/c) أقل من (0.40) تعاني نقصاً في المياه، هذا الاحتياج ينشئ  ما يشبه مسارات أو شعيرات دقيقة (fine capillaries) والشد السطحي خلال هذه المسارات يسبب انكماشاً ذاتياً، وكلما نقصت نسبة الماء إلى الأسمنت عن هذه النسبة ازداد تأثير الانكماش الذاتي وشروخه.
في الأنظمة المغلقة (conservative system)، حيث لا يُسمح بانتقال الرطوبة من عجينة الأسمنت أو إليها، وحيث تثبت درجة الحرارة، قد يحدث انكماش طفيف للخرسانة وهذا هو الانكماش الذاتيُّ؛ لذا فإننا لا نعتد بتأثيره أثناء التنفيذ وليس من الأهمية في شيء في كثير من الأحيان، باستثناء الخرسانات الكتلية العملاقة كخرسانات السدود.
على الرغم مما للانكماش والتشققات عامةً من أضرار على العناصر والمنشآت الخرسانية، فإن له أهمية كبرى كذلك في المنشآت الهجينة (hybrid constructions)، والتي تتكون من نوعين مختلفين من الخرسانة: الخرسانة مسبقة الصب (Precast concrete) وخرسانة الموقع (Insitu concrete) لتجمع بين ميزات هذه وتلك، وتلك التشققات التي تنتج عن الانكماش الذاتي على السطح الأول توفر طبقة خشنة ومساحة أكبر للتداخل بين الخرسانتين الجديدة والقديمة؛ مما يزيد من تماسكهما وترابطهما معاً.

انكماش الكربنة – Carbonation Shrinkage:
يتفاعل ثنائي أكسيد الكربون (CO2) الموجود في الهواء مع الأسمنت المماه؛ ليتكون حمض الكربونيك الذي يتفاعل مع مركبات الكالسيوم كهيدروكسيد الكالسيوم (قاعدة) لينتج كربونات كالسيوم على هيئة كالسيت (calcite) وماء، وإذا كان التفاعل في جو ذي حرارة عالية فتكون كربونات الكالسيوم على هيئة أرجونيت (Aragonite)، وكذلك تتحلل بعض مركبات الأسمنت الأخرى، ومثل هذا التحلل التام لمركبات الكالسيوم في الأسمنت المماه يمكن حدوثه كيميائياً حتى تحت الضغط المنخفض لثنائي أكسيد الكربون في الجو الطبيعي.
تتسلل الكربنة بطيئاً تحت سطح الخرسانة أعمق فأعمق؛ فبعد عام تقريباً، ربما تكون قد وصلت إلى عمق 1 مم في الخرسانة الكثيفة ذات النفاذية (permeability) المنخفضة والمصنوعة بنسبة ماء\أسمنت منخفضة، أو 5 مم أو أكثر للخرسانة المسامية أو ذات النفاذية الأعلى والمصنوعة بنسبة ماء\أسمنت عالية، ويتناسب عمق الكربنة طردياً مع الجذر التربيعي (square root) لعمر الخرسانة: فإذا كان العمق 1 مم في السنة الأولى فإنه يصل إلى 3 مم في السنة التاسعة و5 مم في السنة الخامسة والعشرين، ويعتمد معدل تسلل ثنائي أكسيد الكربون كذلك على الرطوبة النسبية للوسط المحيط.
ويحدث انكماش الكربنة غالباً بسبب تحلل الجزيئات الكرستالية (crystals) لهيدروكسيد الكالسيوم وحل كربونات الكالسيوم محلها، ولأن الناتج من هذه العملية أصغر حجماً وأثقل من المركب الذي حل محله؛ يحدث انكماش الكربنة ويكون مصحوباً بزيادة في الوزن، تتسبب الكربنة كذلك في زيادة قوة الخرسانة (في الضغط والشد) وتقليل نفاذيتها؛ وذلك لأن الماء الناتج من هذه العملية يساعد ويعزز عملية الإماهة وكذلك لأن كربونات الكالسيوم تقلل من الفجوات (voids) في عجينة الأسمنت، ولما كان انكماش الكربنة صغيراً جداً إذا ما قورن بانكماش الجفاف على المدى البعيد؛ فإننا نهمله كالانكماش الذاتي.

لكن ما تفعله الكربنة بالخرسانة من خفض للأس الهيدروجيني (pH) فتخفف من قاعديتها وتزيد من حمضيتها، يتسبب في تآكل حديد التسليح وصدئه، وإن زيادة 15% من قوة الخرسانة لا تستأهل أن نعاني من كل هذه المشكلات والعواقب، ولا أن نفرط في حماية التسليح من الصدأ، وإذا كانت الكربنة تغير من الأس الهيدروجيني للمنطقة الحادثة بها في القطاع الخرساني؛ تم استخدام دليل الفينولفثالين (phenolphthalein) للدلالة على هذه المنطقة وعلى العمق الذي وصلت إليه الكربنة وكذلك تحديد أقدمية الشروخ عن غيرها في القطاع، إذ يظل الدليل عديم اللون عندما يكون الأس الهيدروجيني 8.6 فأقل، ويصبح أرجواني اللون (purple) في المناطق التي لم تحدث لها كربنة تامة، الكربنة التامة تحدث عندما يكون الأس الهيدروجيني للخرسانة 8.4 فأقل، واللون الأرجواني يظهر عندما يكون الأس الهيدروجيني 8.6 فأكثر، ولربما أمكن تحديد عمر تقريبي للقطاع الخرساني!
وللمزيد عن استخدام الفينولفثالين واحتياطاته يمكنكم الاطلاع على الرابط الأخير من المصادر.
لم ننته بعد من الانكماش، فما زال لدينا العوامل المؤثرة عليه وخصوصاً نسبة الماء إلى الأسمنت وما زال لدينا نصوص الأكواد المختلفة وبنودها المتعلقة بالانكماش وسؤالا المقال السابق لم نجب عنهما، تابعونا!

المصادر:  1  2  3  4

الجزء الأول


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق