.





حكاية فتح القسطنطينية: محاولات فتح القسطنطينية وسقوطها على يد محمد الثاني

حكاية فتح القسطنطينية: محاولات فتح القسطنطينية وسقوطها على يد محمد الثاني

فتح القسطنطينية 29/5/1453
لئن كانتْ أمّة الإسلام في هذا الزمن تعاني تكالُب أعدائها عليها، وبُعْد كثير من المسلمين عن دينهم وكتاب ربّهم؛ حتّى استباح العدو حماها، وسلّطَ سلاحَه عليها، وغلَّ يدها بالعُهود الغادِرة، والمواثيق الجائرة، فقعد كثير من المسلمين عن نصرة إخوانهم في فلسطين، والشيشان وسوريا والعراق ، وغيرها من البقاع التي يُستباح فيها المسلمون في وَضَح النهار. إذا كان ذلك كلّه واقعًا أليمًا مهينًا فإنَّ للمسلمين تاريخًا يحفز الهِمَم، ويطردُ اليأس، ويهيجُ العزائم، ويدعو المسلمين إلى التزام دينهم إن أرادوا النصر والعِزَّة، تاريخًا مَليئًا بالشرف والمجد والكرامة، لا يستحيي قارئ مسلم أن يجهر به، ولا باحث فيه أن يبرز أحداثه، تاريخًا يحكي عن رجال أبطال كرام؛ لمّا أهينوا أو أُهِينَ دِينُهم غضبوا فقاتلوا، فلما انتصروا عَفَوْا وتسامحوا، ويخبر عن حصونٍ دُكَّتْ، ومدن فُتِحَت على أيدي المسلمين، قد عزّت طوال تاريخها على كبار الفاتحين.
ونقف اليوم مع أهم تلك الفتوحات التي جرت على أيديهم: فتح القسطنطينية 29/5/1453
القسطنطينية، متى تأسست ومن أسسها؟
تأسست عام 658 ق.م. وكانت قبل ذلك قريةً للصيادين، وتُعرف باسم بيزنطة وفي عام 335م جعلها الإمبراطور قسطنطين عاصمةً للإمبراطورية الرومانيّة الشرقيّة (الإمبراطوريّة البيزنطيّة)، وأصبح يُطلق عليها القسطنطينيّة نسبةً للإمبراطور قسطنطين مؤسس الإمبراطوريّة، وكان بها مقرُّ بطريركيّة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقيّة كنيسة آيا صوفيا خلال العصر الذهبيّ للإمبراطوريّة البيزنطيّة خصيصًا تحت حكم الأسرة المقدونيّة حيث دُعِيَ عصرهم بعصر النهضة المقدونيّة والكومنينيون، ففي عهدهم مرّت بالإمبراطوريّة البيزنطيّة نهضةٌ ثقافيَّةٌ وعلميَّةٌ، وكانت القسطنطينيَّة في عهدهم المدينة الرائدة في العالم المسيحيّ من حيث الحجم والثراء والثقافة.
كانت القسطنطينية العاصمة المُقَدَّسَة الكبرى لنصارى الشرق، وفيها أكثر تراثهم وتاريخهم، وقد حَوَتْ كنائسُها تماثيل أشهر رهبانهم وبَطَاركَتِهم. وموقعها بين آسيا وأوربة جعلها من أفضل المدن موقعًا؛ حتى قال نابليون: “لو كانتِ الدُّنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمةً لها”
سبب حصار القسطنطينيَّة والتسابق لفتحها هو
بشارة الفتح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش» (روه الإمام أحمد في مسنده)
وهذا الحديث كان من أقوى الدوافع التي أشعلت الحماس في نفوس القادة على مرّ الزمان لفتحها.

تأتي أهمية القسطنطينية نظرًا لموقعها الجغرافي عند نقطة اتصال آسيا بأوروبا عن طريق مضيق البوسفور الذي يصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأسود و بواسطة بحر مرمرة، و لا يزيد عرض ذلك المضيق في أقرب نقطة ين البرّين عن ألف متر، فهي عقدة المواصلات و طريق الملاحة.

فتح القسطنطينيّة كان حلمًا غاليًا وأملًا عزيزًا راود القادة والفاتحين، لم يُخب جذوته مر الأيام وكر السنين، وظلّ هدفًا مشبوبًا يثير في النفوس رغبة عارمة في تحقيقه.

حصار القسطنطينيّة في عهد معاوية 
بدأت المحاولات الجادة في عهد معاوية بن أبي سفيان وبلغ من إصراره على فتح القسطنطينية أن بعث بحملتين الأولى سنة 49 هـ =.666، هذه الحملة و إن لم تُحقق هدفها، لكنها نجحت في صرف همة البيزنطيين عن مناوشة المسلمين وقصَرت تركيزهم على الدفاع عما بحوزتهم من بلاد، وفاز هذا الجيش بفضيلة السبق لغزو هذه المدينة، والأخرى كانت طلائعها في سنة 54 هـ = 673م، وظلت سبع سنوات وهي تقوم بعمليات حربية ضد أساطيل الروم في مياه القسطنطينية، لكنها لم تتمكن من فتح المدينة العتيدة، ويرجع فشل المسلمون في تحقيق هدفهم في هذه المحاولة رغم طول مداها الزمنيّ إلى قوة تحصين المدينة، وانقطاع الحصار في فصول الشتاء، وطبيعة التيارات المائية في سواحلها المحيطة بها، والنار الإغريقية، وهي عبارة عن مركب كيميائيّ مكوّن من النفط والكبريت والقار يشعل بالنار، وتقذف به المراكب، فتشتعل بها النار، ولا تنطفئ إلا بالخل والرمل، وبواسطة هذا السلاح أحرق الروم البيزنطيون كثيرًا من سفن الأسطول الإسلاميّ، وكان صمود المدينة يزيد المسلمين رغبةً وتصميمًا في معاودة الفتح؛

حصار القسطنطينيّة في عهد الأمويين 
رغم الظروف التي مرّت بها الدولة الإسلاميّة لم تفارق فكرة فتح القسطنطينيّة خيال خلفاء بني مروان الأمويين ولكن وضعها موضع التنفيذ كان في حاجةٍ إلى دراسةٍ وافيةٍ، وإعداداتٍ مُسبقةٍ، واستعداداتٍ كاملةٍ فقام بذلك كله الوليد بن عبد الملك وأعدَّ حملةً بريَّةً بحريَّةً لحصار القسطنطينيَّة في عام 95هـ.
وعندما وصلت أنباء هذه الاستعدادات إلى الإمبراطور البيزنطيّ أناستاسيوس الثاني حاول أن يتأكد من الأخبار التي وصلته، فأرسل سفارةً إلى دمشق جعل على رأسها سينوب بُطْريق مدينة سينوب ليحقق هدفين أحدهما ظاهرٌ وهو اقتراح عقد معاهدة سلامٍ مع الخليفة الوليد، والثاني خفيٌّ وهو استطلاع استعدادات المسلمين لحصار القسطنطينيّة، فأكدت السفارة صدق الأخبار التي وصلت العاصمة البيزنطيّة.
شرع الإمبراطور على الفور في اتخاذ الاستعدادات اللازمة للدفاع عن مدينته ومواجهة الحصار؛ إذ أمر بتدعيم وسائل الدفاع عن أسوار المدينة برًا وبحرًا، وبناء أسطولٍ كبيرٍ ليكون قادرًا على التصدّي للحصار الإسلاميّ، كما أصدر أوامره إلى كل فردٍ في المدينة أن يخزن ما يكفيه لمدة ثلاث سنواتٍ من المؤنة، وأكد على ضرورة ملء الخزائن الإمبراطوريّة بالغلال وغيرها مما يحتاج إليه المدافعون.
لم يطل المقام لأناستاسيوس في الحكم طويلًا حيث نشبت ثورةٌ في القسطنطينية أطاحت به وأتت بالإمبراطور ثيودوسيوس الثالث، ثم ما لبث أن وافت المنية الخليفة الوليد بن عبد الملك فخلفه في الحكم أخوه الخليفة سليمان الذي سار على نفس الخطوات التي انتهجها الوليد من قبله خصيصًا فيما يتعلق بتنفيذ حملة القسطنطينية، وقد مهد سليمان لذلك بغزوةٍ بَحريَّةٍ بقيادة عمر بن هبيرة الفزاري على بلاد الروم سنة 97هـ.
نهض “سليمان بن عبد الملك” بحملة جديدة” ثالثة ” سنة (99 هـ = 719م) ادخر لها زهرة جنده وخيرة فرسانه، وزودهم بأمضى الأسلحة وأشدّها فتكًا، لكن ذلك لم يعن على فتحها فقد صمدت المدينة الواثقة من خلف أسوارها العالية وابتسمت ابتسامة كلها ثقة واعتداد أنها في مأمن من عوادي الزمن وغوائل الدهر، ونامت ملء جفونها رضى وطمأنينة.

حصار القسطنطينة في عهود العثمانيين 
تجدد الأمل في فتح القسطنطينية في مطلع عهود العثمانيين، وملك على سلاطينهم حلم الفتح، وكانوا من أشد الناس حماسًا للإسلام وأطبعهم على حياة الجندية؛ فحاصر المدينة العتيدة كل من السلطان بايزيد الأول ومراد الثاني، ولكن لم تكلل جهودهما بالنجاح والظفر، وشاء الله أن يكون محمد الثاني بن مراد الثاني هو صاحب الفتح العظيم.
كان السلطان بايزيد الأول قد أنشأ على ضفة البوسفور الآسيوية في أثناء حصاره للقسطنطينية حصنا تجاه أسوارها عُرف باسم قلعة الأناضول، وكانت تقوم على أضيق نقطة من مضيق البوسفور، وعزم محمد الفاتح أن يبني قلعة على الجانب الأوروبي من البوسفور في مواجهة الأسوار القسطنطينية، وقد جلب لها مواد البناء وآلاف العمال، واشترك هو بنفسه مع رجال دولته في أعمال البناء، وهو ما ألهب القلوب وأشعل الحمية في النفوس، وبدأ البناء في الارتفاع شامخ الرأس في الوقت الذي كان فيه الإمبراطور قسطنطين لا يملك وقف هذا البناء، واكتفى بالنظر حزنا وهو يرى أن الخطر الداهم سيحدق به دون أن يملك من دفعه شيئا.
ولم تمض ثلاثة شهور حتى تم بناء القلعة على هيئة مثلث سميك الجدران، في كل زاوية منها برج ضخم مغطى بالرصاص، وأمر السلطان بأن ينصب على الشاطئ مجانيق ومدافع ضخمة، وأن تصوب أفواهها إلى الشاطئ، لكي تمنع السفن الرومية والأوروبية من المرور في بوغاز البوسفور، وقد عرفت هذه القلعة باسم “روملي حصار”، أي قلعة الروم.

بوادر الحرب
فلما رأى ملكُها قُسْطَنْطِين أنَّ الأَمْرَ جِدٌّ، راسل السلطان يطلب الصلح، فطالبه السلطان بتسليمِها بلا قتال، وله ولأهلها الأمنُ والعيش فيها أو غيرها بسلام، فرفض حاكمها ذلك.
توسل الإمبراطور قسطنطين إلى محمد الفاتح بالعدول عن إتمام القلعة التي تشكل خطرًا عليه، لكنه أبي ومضى في بنائه، وبدأ البيزنطيون يحاولون هدم القلعة والإغارة على عمال البناء، وتطورت الأحداث في مناوشات، ثم لم يلبث أن أعلن السلطان العثماني الحرب رسميا على الدولة البيزنطية، وما كان من الإمبراطور الرومي إلا أن أغلق أبواب مدينته الحصينة، واعتقل جميع العثمانيين الموجودين داخل المدينة، وبعث إلى السلطان محمد رسالة يخبره أنه سيدافع عن المدينة لآخر قطرة من دمه.

كانت القسطنطينية العاصمة المُقَدَّسَة الكبرى لنصارى الشرق، وفيها أكثر تراثهم وتاريخهم، وقد حَوَتْ كنائسُها تماثيل أشهر رهبانهم وبَطَاركَتِهم. وموقعها بين آسيا وأوربة جعلها من أفضل المدن موقعًا؛ حتى قال نابليون: “لو كانتِ الدُّنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمةً لها”

يعتبر فشل المسلمين في فتح القسطنطينية للمرة الثالثة حدثًا من أهم أحداث تاريخ العصور الوسطى، إذ كتب للإمبراطورية البيزنطية البقاء بخروجها ظافرة من محنة الحصار، وظلت تحتفظ بهيبتها أمام دول الغرب الأوروبيّ فترةً طويلةً حتى سقطت بيد محمد الفاتح في عام 1453م.

باقي أطوار حكاية الفتح ترقبوها في مقالنا القادم بإذن الله تعالى غدا إن يسّر لنا ربي ذلك.
دمتم على طاعة .

#الباحثون_المسلمون


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟