.





سلسلة صلاح الدين 5

سلسلة صلاح الدين 5

 

– #سلسلة_صلاح_الدين 5 :
كيف بدأ صلاح الدين النصف الأول من مشروعه لاستعادة القدس ؟
إصلاح مصر وضم سوريا وفلسطين ولبنان وأجزاء من العراق واليمن
التوحد أمام العدو وتجميع القوى المشتتة (سلطان مصر والشام)

في هذه الجولة سنطوي الزمن طيا – إذ لن تتسع الصفحات لسرد سنوات من الجهاد وتجميع القوى لصلاح الدين لتحقيق النصف الأول من مشروعه لاستعادة القدس – إذ علم أنه قبل محاربة الصليبيين في أصل احتلالهم (وهو النصف الثاني من المشروع) كان يجب أولا توحيد القوى المشتتة المحيطة بهم – لأنه كلما طال الوقت بهذه القوى وصراع كل منها الآخر للإبقاء على ملكه : كلما سيطول وقت الصليبيين في بلاد الإسلام والقدس

فهناك السلاجقة الروم (المنافس القوي للخلافة العباسية بعد سقوط الفاطميين العبيديين) – وهناك الزنكيين (الذين كان منهم نور الدين زنكي) والذين خافوا من استئثار صلاح الدين بالأمر ورأوا معارضة رؤيته الانفتاحية لضم المزيد من البلدان والمدن الكبرى إليه – وعلى العموم سنختصر الأحداث التالية في تلك الفترة اختصارا شديدا في شكل محطات سريعة – قد نكتفي فقط برؤوس عناوين لكل حدث منها
————————

1-
في مصر ترسخت أقدام صلاح الدين كما رأينا سابقا – وخصوصا مع صمودها أمام حملة صليبية حاولت النزول في دمياط في أواخر حياة الحاكم الفاطمي فكان التوفيق الإلهي فيها حليفا لصلاح الدين وإدارته للبلاد وتعاون المصريين وعسكر دمياط البحري معه

2-
بعد موت الحاكم الفاطمي فصار صلاح الدين الحاكم لمصر دون منازع – قام بعملية إصلاحات شاملة فيها بالتدريج (فهو يعالج قرابة 262 سنة من حكم الفاطميين العبيديين وتأصيلهم لأباطيل الإسماعيلية الباطنيين فيها كما رأٍبنا من قبل)

3-
وقبل أن نذكر ما قام به صلاح الدين – نود التنبيه أن عملية إصلاحاته الدينية كان يوافقها روح جادة أمينة بالفعل على البلاد ومصالح العباد بكل طوائفهم – ولذلك أحبه المصريون (مسلمون ونصارى وغيرهم) وسهل عليهم تقبل عمليات التجديد والإحلال الكبيرة التي قام بها على مدى سنوات

4-
فمن ذلك شهادة المؤرخ النصراني (ساويرس ابن المقفع) أسقف الأشمونين – حيث قال في كتابه (تاريخ البطاركة مخطوط سيره الأباء البطاركة) والذي أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها (نسخة طباعة النعام للطباعة والتوريدات، رقم الإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثاني ص 56) :
” إن الملك صلاح الدين عامل رعيته في بلاد مصر بخير يعجز الواصف عن وصفه، وأرسى العدل وأحسن إلى المصريين وأزال مظالم كثيرة على الناس، وأمر بإبطال الملاهي في بلاد مصر، وأبطل كل منكر شرير، وأقام حدود شريعة الإسلام، وكان يجلس للحكم بين الناس، فينصف المظلوم من الظالم، ويكون في مجلسه مجموعه من الفقهاء ومشاهير الدولة للنظر في القضايا بين الناس، والعمل بما توجبه أحكام الشريعة والحق والعدل ”

5-
– فقام بإغلاق المؤسسات الفاطمية العبيدية وعلى رأسها الأزهر (قام بغلق الأزهر فترة من الزمن لقطع تعلق الناس به ثم عاد بعد ذلك كمصدر للتعليم السني وليس الرافضي والباطني المشوه) – فأين الأوهر اليوم ؟!)

– ولأن الإصلاح الكامل لا يكون إلا بتوفير البديل – فقد وفر صلاح الدين مراكز التعليم السني في البلاد – وصنع من مسجد ابن طولون بديلا مناسبا عن الأزهر

– وكذلك امتد إصلاحه للقضاء – حيث القضاة هم الواجهة الحقيقية لسيادة الحاكم ونوعية حكمه – إن كان ظالما مغيرا للحق فهم كذلك تبعا له – وإن كان صادقا مخلصا للحق فهم كذلك تبعا له – فقام صلاح الدين بإقصاء كل القضاة الفاطميين من البلاد ووقف شرهم وشر أحكامهم

– قام بحرق المناهج الرافضية والإسماعيلية وإغلاق مكتباتهم وهدمها – وبذلك ضمن (نظافة) عقل الشعب المصري من مخربات العقول التي كان يدسها الفاطميون في رؤوسهم ليل نهار

– قام بترسيخ قدم الفقه الشافعي في مصر – وأنشأ مدارس فقهية على أكثر من مذهب سني وفتح لهم باب القضاء والتدريس

– كان دوما يهتم ببث روح الوحدة بين المصريين والتفافهم على حاكمهم طالما يمضي بينهم بالقرآن والسنة – وهو نفسه كان يتبع الخليفة العباسي فيعلم ذلك للمصريين بقوله : ” ونحن لا نتدين إلا بطاعة الإمام ولا نرى ذلك إلا من أركان الإسلام ” وكان دوما يأمر بالاعتصام بالقرآن والسنة كما في كلماته إلى أخيه العادل (واسمه أبي بكر) والذي كثيرا ما كان يخلفه على مصر عند خروج صلاح الدين للقتال – فيقول له مثلا في مصيبة (الرشوة) التي تؤذن بخراب المعاملات والذمم وضياع حق الضعيف والفقير :
” وقد فشا في هذا الزمن أخذ الرشوة، وهي محق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبذه، ونهى عن أخذه وعن الرغبة في تداوله، وهو كأخذ الربا الذي قرنت اللعنة بمؤكله وآكله ”

– كذلك كان يأمر ولاته جميعا بالعدل في الرعية الذين كان يصفهم بأنهم (أمانة ووديعة) عنده

– زرع روح الجهاد في الشباب والمسلمين وتحبيبهم فيه لأنه الحامي الحقيقي للحق – والذي لن يتأتى إلا بالوحدة والقوة معا – وكان يتمثل في ذلك قول الله تعالى : ” فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ” النور 63

6-
وبالفعل انصلح له أمر مصر والمصريين تدريجيا – وكان خلال ذلك تتوتر العلاقة بينه وبين (نور الدين زنكي) نتيجة سوء الظن الذي كان يقوده بعض الزنكيين لما رأوا مكانة صلاح الدين تعلو في مصر وبدى وكأنه يستقل بامره عن الزنكيين، لكن مات (نور الدين زنكي) رحمه الله قبل أن يصدر عنه أي شيء فيه أذى لصلاح الدين (ومن هنا نرى أن الصالحين قد يظهر بينهم بعض القلاقل أحيانا ويرحم الله الجميع)

7-
لما توفي (نور الدين زنكي) تولى ولده (وكان غلاما صغيرا) وهو (الصالح إسماعيل) حكم دمشق – لكن لصغر سنه تم إبعاده إلى حلب – وتولى (سعد الدولة كمشتكين) كبير الزنكيين بعد (نور الدين زنكي) زمام البلاد ووصيا على (الصالح إسماعيل) حتى يكبر – لكنه سرعان ما طمع في الاستقلال بالحكم – وتجهز لدخول دمشق – فأرسل أميرها (شمس الدين بن المقدم) إلى (الصالح إسماعيل) يطلب منه الأمر بالمدد : فرفض !! فتوجه بالشكوى إلى صلاح الدين في مصر – فانطلق إليه – وخصوصا أنه كان في صراع نفسي بين ترك الشام بقيادة ضعيفة وخوفه من الصليبيين عليها – حيث إذا تركها قد يقع ما يخاف – وإذا دخلها سيواجه عتاب الناس والذين سيشوهون صورته بأنه (ناكر للجميل) الذي صنعه معه (نور الدين زنكي) ورفعه للقيادة بعد عمه (أسد الدين شيركوه) كما رأينا فيما سبق

8-
بالفعل دخل صلاح الدين دمشق منتصرا – وفرح به الناس كثيرا – ورغم تمكنه من البلاد والصورة التي ظهر فيها كمعادي لميراث (نور الدين زنكي) وولده (الصالح إسماعيل) – إلا أنه لم يكن يوما ما فاجرا في الخصومة كما يفعل البعض – وإنما كان يعامل كل من القريب والبعيد بحسن الأخلاق – وكان يحسن لـ (ألصالح إسماعيل) حتى أنه أرسل في إحدى المرات إلى صلاح الدين يطلب منه أحد الحصون التي يتقوى بها فأعطاه له

9-
ومنذ هذا الوقت وهو يفتح البلدان الواحدة تلو الأخرى ويضم إليه المزيد والمزيد منها حتى يتكون إليه ما يشبه الصف المنيع والقوي في وجه الصليبيين – وقد حظى مع كل فتح برضا وقرب من الخليفة العباسي الذي كان يخشى من قوة السلاجقة الروم – حتى أطلق على صلاح الدين (سلطان مصر والشام) – وبالطبع لم يكن الأمر بالسهولة التي نكتب بها هذه الكلمات – بل كان جهاد شاق يأتي فيه صلاح الدين ويذهب بين مصر وبين تلك البلدان مع جيشه من المصريين أو نصفهم أو ربعهم (فقد كان بينه وبين الصليبيين أيضا مناوشات أحيانا ولكننا نغض الطرف عنها الآن لإفساح المجال لقتاله التوحيدي لتجميع صف المسلمين المتشتت) – وقد كان أحيانا كثيرة يتوقف عن القتال أو الحصار إذا رأى أنه لن يكسب إلا المزيد من الخسارة في الوقت أو الجنود أمام بعض قلاع وحصون المدن العربية – فكان يتراجع ولا يستحيي من ذلك – فقد كان قائدا محنكا موفقا حكيما كثير المشاورة للثقات من حوله والذين تجمعوا معه من الكرد والعرب على السواء

10-
أيضا كان يتابع ما يجري في اليمن – وقبل حتى موت (نور الدين زنكي) وكان يرسل إليها إخوته – فمثلا قام بضم اليمن إليه وبذلك أعلنت الحجاز أيضا أنها في يده – وهذا بعدما بلغه أن رجلاً هناك استولى على الحكم فيها وعلى حصونها يسمى (عبد النبي بن مهدي) وجمع معه جنود كثيرين – فأرسل له صلاح الدين أخاه (شمس الدولة توران شاه) فانتصر عليه – وصارت اليمن والحجاز في حكم الأيوبيين –
وهذه خريطة بما وصلت إليه تجميعات صلاح الدين من البلاد والمدن التي أعادت الهيبة والمكانة للخلافة العباسية (الخليفة الناصر لدين الله) وحققت الدولة الأيوبية ثقتها متمثلة في صلاح الدين :
https://ar.wikipedia.org/wiki/صلاح_الدين_الأيوبي#/media/File:Ayyubid_Dynasty_ar.png

ومن هنا :

11-
بدأت المكائد تحاك لاغتيال صلاح الدين من جديد – حيث بعض النفوس الحاقدة لم تستطع إخماد غضبها وغيظها من توسعه في البلاد ووحدته الكبيرة – ففي الوقت الذي يفعل صلاح الدين ذلك لهدف أكبر وهو التقوي على الصليبيين بدلا من حال المسلمين المتشتت والمتشرذم حولهم (وعينه على بيت المقدس) : ينظر هؤلاء الحاقدون إلى ما يملكه على أنه لو كان في يدهم سيصير غنيمة مفردة لهم يستمتعون بها في حياتهم – فقارنوا ذلك بصلاح الدين الذي لم يذق طعم الراحة من الجهاد

12-
وبالفعل وقعت له عدة محاولات اغتيال – كان أخطرها ما صدر عن جماعة (الحشاشين) Assassin وهي فرقة رافضية كما قلنا من أتباع الإسماعيلية الباطنيين (وأصلها منشق من الفاطميين العبيديين) – أسسها (حسن الصباح) المولود في 430هـ – لكن سرعان ما استقلوا بأمر أنفسهم وصاروا قوة لحالهم وذاتهم يطيعون مَن يدفع لهم أكثر بغض النظر عن شخصه أو ملته – حيث كانوا يسكنون الجبال في قلاع تكون مرتفعة يصعب معها قتالهم أو القضاء عليهم – وكانت تضم مجموعة كبيرة من الفدائيين لا يخشون الموت بقدر تحقيق المطلوب منهم قتله أو اغتياله (ويروى في ذلك عدة تبريرات وقصص قد نفردها في موضوع خاص بها) – المهم أنه من ضمن من استعملهم لقتل صلاح الدين كان (سعد الدولة كمشتكين) كبير الزنكيين كانتقام من صلاح الدين ووقف توسعاته – وبالفعل اتفق مع شيخ الحشاشين في ذلك الوقت (رشيد الدين سنان) على ذلك – فأرسل هذا الأخير أكثر من مرة عملائه لاغتيال صلاح الدين – والذين كانوا يصلون في بعض الأحيان إلى خيمته وسط الجنود – سواء متخفيين ليلا أو في صورة جنود من جنوده – حتى أن أحدهم كاد يقتله في إحدى المرات وأصابه في وجهه قبل أن يقتله المسلمون المخلصون والأمراء الذين معه وحوله

13-
وقد حاول صلاح الدين من ضمن حملاته لتأمين نفسه وجيشه القضاء على هؤلاء الحشاشين ولكنه لم يستطيع لا مع حصار بعض قلاعهم ولا غير ذلك – ولكنه كان استحوذ مسبقا على مقتفي الأثر المشهورين في العرب في تلك المناطق بحيث لا يستغلهم الصليبيون ولا غيرهم ضده أو ضد غيره في التعدي على بلاد الإسلام

وهكا تنتهي رحلتنا السريعة اليوم
وكأن الأقدار تمهد لشيء عظيم في حياة صلاح الدين
شيء لم يكن ليقع لولا أن ملأه الدافع لذلك – فإن الله تعالى لا يعطي الأعمال العظام إلا لمجتهد

#الباحثون_المسلمون


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟