.





فكرة الإستدامة و أبعادها : معوقات و آفاق 

فكرة الإستدامة و أبعادها : معوقات و آفاق 
المدن المستدامة : مدينة Hammarby Sjostad نموذجًا

تناهى إلى مسامع كثير منّا مصطلحات تتعلق بالغازات الدفيئة، وازدياد الانبعاثات، واستهلاك الموارد الغير متجددة، وغيرها تلكم من المشاكل يعتبر الإنسان سببا رئيسيا في بروزها و ظهورها على سطح الأحداث.

و مع تزائد تأثيرات هذه المشاكل على حياتنا أفرادا و مجتمعات، تزايدت المناشدات لتطبيق مبادئ التنمية المستدامة والاتجاه نحو المصادر المتجددة للطاقة، والتوقف عن الحرب المعلنة من هذا العالم على البيئة الطبيعية.
و إذا بقي الوضع على حالة في اتباع تبع هذا النهج تجاه الطبيعة ،و لم يتم المسارعة إلى خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربونفإن السنوات العشر القادمة ستكون حرجة ، فوفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ؛ فإننا قادرون على تحديد الارتفاع بدرجتين مئويتين، لكنا إن واصلنا بنفس النهج الحالي فإن الارتفاع سيصل 6 درجات مئوية مستقبلًا (براون 2009 (.
معماريًا هناك مناخ عام مبشر يسير باتجاه التغيير نحو التصميم المستدام: (نحتاج أولًا إلى التفكير في مفهوم التصميم المستدام لتقليل استخدام الموارد في مبانينا الحضرية، حتى نتمكن من قطع شوط طويل لجعل مدننا أكثر استدامة) ستوري بيرد 2001.
فما مفهوم و فكرة الاستدامة و ما أبعادها و التصميم المستدام ؟ و سبل تطبيقه في المجال المعماري ؟
تعرّف اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية في تقريرها (مستقبلنا المشترك) التنمية المستدامة: “على أنها التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتهم الخاصة”.
ولجعل النشاط البشري مستدامًا؛ يجب التفكير أولًا بالعلاقة الخارجية لهذا النشاط، مثل المستوطنات البشرية، والبيئة الطبيعية المحيطة بها، كما يجب أن ننظر إلى العناصر الداخلية التي تكوّن هذا النشاط لترسم لنا الخطوات الواجب اتخاذها لتحقيق قدر أكبر من الاستدامة.
بالتالي ففكرة الاستدامة تعني التوازن الذي يلبي الاحتياجات البشرية دون المساس بإنتاجية النظم الطبيعية المحيطة، والابتعاد عن نظم الاستخراج والتخلص والتي تستهلك الطاقة بكثافة والاتجاه نحو الحلقات المغلقة المرنة للموارد.
إن مسألة تصميم المدن المستدامة هي مسألة معقدة تتشعب أبعادها لتشمل الأبعاد المادية للبيئة الحضرية من حيث شكلها وحجمها واستخداماتها وتكوين وتوزيع المساحات المفتوحة بها، وهكذا يتضح التعريف الأمثل للمدن المستدامة بأنها “إنشاء وإدارة بيئة صحية مبنية على أساس كفاءة الموارد البيئية” (مندلر ولعازر 2006).

أبعاد الاستدامة:
– البعد البيئي للاستدامة: تتمثل الاستدامة البيئية بإيجاد تجمعات عمرانية أكثر اندماجًا، ونُسج تخطيطية متضامّة، وهذا يعني استخدامًا أقل لوسائل النقل، وبالتالي تقليل انبعاثاتها. كما تعمل المساحات الخضراء على خفض درجة الحرارة بسبب التظليل والتبخير، وتمثل المساحات المفتوحة رئة تمتص وتصفي الهواء، كما أن المناظر الطبيعية تحمي وتعيد إحياء التنوع البيولوجي من خلال استخدام الأنواع الأصلية من الأشجار والنباتات التي تُدمج في البيئة المبنية، وتوفر مساحات مظللة للدراجات والمقاعد والمماشي والمرافق الترفيهية كالمطاعم والمقاهي.

– البعد الاجتماعي للاستدامة: هو بعد معقد ومهم ومتشعب! لأن تخطيط المجمعات العمرانية المتضامة يقوي الروابط الاجتماعية بين السكان، ويقلل من مستويات الفصل الاجتماعي، كما يزيد التفاعل الاجتماعي والتبادل الثقافي بين السكان من خلال زيادة نسبة اللقاءات بينهم، وهذا البعد يبدأ من الفراغ الداخلي للسكن وحله الوظيفي وملائمته للعادات الاجتماعية، ولا ينتهي بالفراغات الاجتماعية على مستوى الحي والمدينة التي تمثل نقطة أساسية في تقوية الروابط، كما أن هذا النوع من التخطيط يولي اهتمامًا لتحسين وسائل النقل العام، ويزيد فرص المشي، وهذا بعد صحيّ أيضًا.

– البعد الاقتصادي للاستدامة: إن التوازن بين متطلبات الطاقة التشغيلية وتوليد الطاقة يمثل البند الأساسي في الاستدامة، فمن المهم جدًا تقليل متطلبات الطاقة التي تحتاجها التجمعات العمرانية من خلال تصاميمنا المستدامة، والتي نراعي فيها النسيج، والتوجه، والعزل، والتظليل، واختيار مواد البناء والإكساء المناسبة لوظيفة المبنى والوسط المحيط، واستخدام العناصر المساعدة. فاختيار مادة البناء وعمرها الافتراضي يعتبر من القضايا المهمة مثل الأحجار، والطوب المحلي، والأخشاب في أماكن توفرها، والتي تتطلب قدرًا أقل من المعالجة مقارنةً مع المنتجات البتروكيماوية، وتتميز بمتانتها وتكيفها مع البيئة المحيطة، وتأثيرها المنخفض على البناء، ناهيك عن أن اختيار مواد البناء المحلية يوفر تكاليف النقل، ويحافظ على تقاليد البناء المحلية، كما ويدعم الاقتصاد المحلي.
مدينة Hammarby Sjostad في ستوكهولم نموذجًا
هي أكبر مشروع سكني متعدد الاستخدامات قامت به مدينة ستوكهولم منذ الستينيات. كما أنها واحدة من أكثر الأسواق نجاحًا من الناحية المالية في المدينة بالإضافة إلى أنها نموذج معترف به لتنمية الأحياء المستدامة في جميع أنحاء العالم.
يكمن سر تميزها في نظام معالجة النفايات وتوليد الطاقة الموجود فيها، بالإضافة إلى الأسلوب المتكامل في تصميم البنية التحتية للمدينة (فراكر 2013).
الهدف من تشييدها هو بناء مدينة مستدامة ذات تأثير سلبي أقل على البيئة، والتي تستخدم نصف كمية الطاقة المستخدمة في مدن مشابهة.
وتسعى المدينة إلى إنشاء نموذج دولي للتنمية المستدامة بهيكل مستقر كثيف من أربعة إلى خمسة طوابق، في مخطط حي صغير، ولكن مع مساحات خضراء واسعة بالإضافة إلى الأسطح الخضراء، والأسطح المائلة المدروسة الميلان، ونظام معالجة مياه الأمطار. أما اختيار مواد البناء فكان اختيارًا مثاليًا يراعي البيئة ويتجنب المواد الكيماوية قدر الإمكان، بالإضافة الى استهلاك للحرارة أقل بنسبة 50%، واستخدام أكثر كفاءة للكهرباء من خلال معالجات العزل، يضاف إلى كل ذلك نظام نقل وفرز وإعادة تدوير النفايات الموجود، واستخدامها في إنتاج الطاقة التي تحتاجها المدينة.
خلاصة القول: “إن المدن المستدامة هي مجتمعات حضرية ملتزمة بتحسين رفاهية سكانها الحاليين والمستقبليين، والنقطة الأهم في استدامتها هي أنها تدمج اعتباراتها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية في حيز حضري يحوي حلولًا مبتكرة في عدة مجالات كالمباني والنقل والطاقة والمياه والنفايات، كما تعتبر هذه المدن محركات للنمو والاستثمار والابتكار وتحسين الظروف المعيشية والتنمية الثقافية للسكان.

 

المصدر


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟