.





كيفَ نقلّل الآثارَ البيئيَّةَ للخرسانة؟

17426028_764291683732688_4332494266393151155_n.jpgoh710019e0fbde46b6527b9ef0285b7364oe5967321F

تُعدُّ الخرسانةُ من أهم العواملِ الّتي تؤثرُ على البيئةِ، لذلك سنتناول في موضوعنا هذا الطرق التي تم التوصل إليها والتي من شأنها أن تقلل من مضارها.
يُنتَجُ سنويًّا 1.6 بليونَ طُنٍّ من الخرسانةِ والتي تنتِج بتفاعلها حوالي 7% من إجماليّ ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى استنزافِها للمواردَ الطبيعيَّةَ واختزالِ المساحاتِ في تَخزينِ مخلَّفاتِها.

تتكوّنُ الخرسانةُ من ثلاثةِ مكوناتٍ رئيسيةٍ؛ الإسمنت، الرُّكام (الحصمة) والماء. يتطلَّبُ إنتاجُها طاقةً هائلة، وتُطلِقُ بتفاعلِها كميةً ضخمةَ من الغازات الدفيئة.
يؤدي استخدامُ الرُّكام والماء في الخرسانة إلى استنزافهما من الطبيعة بل وربما تلويثِ الماء. كما تُستخدمُ العديدُ من الإضافاتِ في الخرسانةِ لتحسينِ خواصِّها، وقد تؤدي تلك الإضافاتُ إلى الإضرارِ بالبيئةِ. ولأنَّ استخدام الخرسانةِ يستنزُف المواردَ الطبيعية؛ فإنّه يتم تصميمُها لتخدمَ عمرًا طويلًا يمتدُّ لـ 50 عامٍ.

من ناحية بيئية، لو كانت ديمومة الخرسانة أطول؛ لكانَ تأثيرُها وضررُها على البيئةِ أقلَّ وذلك باستهلاكِها مواردَ بيئيَّةٍ أقلَّ.
نأتي الآن على بعض الطرق التي من شأنها أن تقلل من الأضرار البيئية للخرسانة:

1) الاقتصاد في استخدام الإسمنت؛

يعدُّ تقليلُ كمياتِ الإسمنتِ المُستَهلَكِ الخطوةَ الأولى والأهمّ لتخفيضِ انبعاثاتِ الغازاتِ الدفيئةِ واستنزافِ الطاقةِ، وهذا يتطلَّبُ بدورِه تخفيضَ كميات الإسمنت العادي (البورتلندي) بالتوافقِ مع متطلَّبات المستقبل نحوَ خرسانةٍ أكثر.

يتزايدُ استخدامُ الموادِ المضافةِ إلى الخرسانة لتحسين خواصِّها مثل بقايا مخلفات حرقِ الحديدِ في المصانع أو Furnace Iron Slag، الرماد Fly Ash، وغبار السليكا Silica Fume بشكلٍ سريعٍ، تعملُ هذه الموادّ كبديل للإسمنت في الخلطة الخرسانية، ولا يتمُّ توظيفُها بشكلٍ فعّال أو بكميات كبيرة إلا في تطبيقات صغيرة كالطممٍ أو أساساتِ الطُّرقِ Sub-base. وإذا ما تمَّ استخدامُ هذه المواد التي تنشأ أصلا كنواتجَ لتفاعلاتٍ أخرى بدلًا من الإسمنت، ولو جزئيًّا، فإنَّها ستسهُم حتمًا في تقليلِ استهلاكِ الإسمنت وبالتالي تصنيعِه.
أشارت دراساتٌ عديدة إلى أنَّ استبدالَ الحديد الناجمِ من مخلفات المصانع أو الرماد بالإسمنت بنسبةِ 50% يُنتجُ خرسانةً أطولَ عمرًا من تلك المحتوية على 0% من أي من المادّتين، بيدَ أنَّ هذه الإضافةَ ستقلِّلُ من عملية شكِّ (تصلُّب) الخرسانة Setting Time ، ويمكن علاجُها بإضافة نسبةٍ من المُميع أو Superplasticizer.

2) الاقتصاد في استخدام الرُّكام (الحصمة):

توصلت أبحاثٌ أخرى إلى أنَّ ثلثي المخلَّفات الإنشائية في أمريكا الشمالية، اليابان وأوروبا تتكوَّنُ بشكلٍ رئيسيٍّ من خرسانةٍ قديمةٍ مكسَّرة ولو أُعيدَ استخدامُها كركاميَّاتٍ خشنة coarse aggregate فإنها ستحسِّنُ الإنتاجيَّةَ بشكلٍ كبير. إذن فإنَّ إعادة تدوير واستخدام المخلفَّات ستَحُلُّ مشكلةَ استنزافِ المواردِ الطبيعيَّةِ وكلفةَ نقلِ الرُّكام الخام لمسافاتٍ طويلةٍ. وهذا ما دفعَ بعضَ الدُّولِ الأوروبيَّةِ إلى تدوير نحو 50-90% من مخلَّفات الإنشاءِ ومخلَّفاتِ الهَدمِ. أخيرًا، تمتازُ الركاميات المُعادُ استخدامُها بمساميةٍ عاليةٍ مقارنةً بتلك الخام الَّتي لم تستخدم من قبل، ولذا وللحصول على نفسِ التشغيلية أو الـWorkability للنوعين؛ فإنَّه تلزمُ كميَّاتٌ أكبرُ من الماء في حالِ استخدام الركام المعادِ تدويرُه، كما ينتُجُ خرسانةً ذاتِ خواصٍّ ميكانيكية أضعف، وللتغلُّب على هذه المشكلة فإنَّ تركيبةً من النّوعين بنسبة معينة بالإضافة إلى الرَّماد fly ash أو إضافةِ العاملِ المقلِّلِ للماء water reducing admixture يتمُّ إضافتُها للخرسانة.

3) الإقتصادُ في كميَّات الماءِ المضاف؛

تتناقصُ كميَّاتُ المياهِ العذبَة الّتي تشكِّل 3% من إجمالي الماءِ والتي قد تنبع من المياهِ الجوفيَّةِ أو الكتلِ الجليديَّةِ الذَّائبَةِ، كُلَّ يوم. وكنتيجةٍ لازدياد الطلَّبِ عليه من قِبَل القطاعاتِ الصناعية، الزراعية والحضريَّةِ، فإنَّ مستوى المياه الأرضيِّ في انخفاضٍ مستمر مما يرفَعُ من تلوُّثِه.
يستهلك منتجو الخرسانةِ الماءَ بشكلٍ كبير، وتقدَّر كمياتُ الماءِ المستخدمٍ في الصّناعات الخرسانية على النحو التالي:

أ‌) 1000 لتر لكل متر مكعب لتنظيفِ شاحنات الخرسانةِ الجاهزة! يجبُ أن يُجبَر المنتجون على استغلالِ المياه المالحة أو المياه الصناعيةِ المعاد استخدامها بدلًا من المياهِ العذبة، كما أثبتت الاختبارات.

ب‌) ترليون لتر من الماءِ يُستخدَمُ سنويًّا لعملياتِ الخلطِ مع العلمِ أنَّه يمكن تقليلها إلى النِّصفِ لو تمَّت زيادةُ المُميعات المستخدمةِ Superplasticizer واختيرت الركاميات بتدرُّجاتٍ ملائمة (well-graded aggregate).
وأخيرًا، لو استخدمت الأنسجة العازلة التي تمتص المياه في تطبيقات تمييه الخرسانة curing ، لقلَّلت كميات المياه المستخدمة لهذا الغرض.

4) تعزيزُ قوّة الخرسانة؛

بالإضافةِ إلى العواملِ التي تمَّت مناقشتُها من قبل، تعزيزُ قوَّة الخرسانةِ لتخدِمَ عُمْرًا تصميميًّا أطولَ يقلِّلُ الطَّلبَ المستمرَّ على المواردِ الطبيعيَّةِ، والآثارَ البيئيَّةَ الناجمَةِ عن تصنيعِها؛ فلو صُمِّمت خلطةٌ لعمرِ 500 سنةٍ بدلًا من 50، فإنَّ إنتاجيَّةَ المواردِ في الصناعاتِ الخرسانية ستتضاعف 10 مرَّات!

إذا ما قارنا منشآتِ العالمِ اليومَ بالمباني الرومانيَّة فإنَّنا سنقف بذهولٍ أمامَ 20 سنة أوأقل مقابِلَ 2000 سنة للمباني من العهدِ الروماني! يُعزى ذلك إلى استخدام الإسمنت العادي (البورتلندي) المائلِ بطبيعتِه للتشقق، مما يزيدُ من نفاذيته للماءِ مع الزمن، وكونُه يستخدَمُ مع الحديد، كما في الخرسانةِ المُسلَّحةِ، فإنَّ هذه النفاذيَّة ستؤدي إلى صدأ الحديد وبالتالي ضرر وانهيار المبنى.

أمَّا عن قوَّةِ المباني الرومانية، فقد وُجِدَ أنَّهم استخدموا الرمادَ البركانيّ بإضافتِه إلى الجيرِ hydrated lime ، مما أنتجَ مكوِّنًا مائيًا متجانسًا تصلَّب ببطءٍ، لكن على نحوٍ أفضلَ من استخدامِ الإسمنت العاديّ. كما لم تستخدمْ الحضارةُ الرُّومانيَّة كميَّاتٍ كبيرةً من الماءِ، وتعرضَّت برغم عواملِ الزَّمنِ إلى تشققاتٍ أقلَّ.

إذن، وللحُصولِ على خرسانةٍ مستدامةٍ يجب تقليلُ نسبة الماءِ إلى إسمنت الخلطِ باستخدام الـ superplasticizer ، أو بتقليل استخدامِ الإسمنت العادي في الخلطات، واستبداله بموادَّ أكثرِ استقرارًا.


المصدر: هنا


رابط المنشور على صفحتنا


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟