.





من الذي يجب أن يقدم الأدلة على فكرة “السلف المشترك العام” و”شجرة الحياة”… التطوريون أم نحن؟ (الجزء الثاني)

من الذي يجب أن يقدم الأدلة على فكرة “السلف المشترك العام” و”شجرة الحياة”… التطوريون أم نحن؟ (الجزء الثاني)

ناقشنا في الجزء الأول هنا: https://t.ly/mnJej

فكرة شجرة الحياة المفترضة، وعدم ثبوتها طبقًا للسجل الحفري، لكن التطوريين قاموا بالاتجاه إلى التحليل الجزيئي، هربًا من الإقرار بعجز السجل الحفري عن تقديم أي سيناريو شجري تظهر فيه أشكال الحياة بتدرج كما افترض داروين، متذرعين بأنّ التحليل الجزيئي أصدق وأدق لأنه يحلل بيانات بين أيدينا لا بيانات تاريخية كالحفريات، فهل أنصفتهم الدراسات الجزيئية؟!

في الحقيقة؛ لا على الإطلاق! بل زادت الطين بلة!

بدأت الفكرة عام 1962م، في الوقت الذي تم فيه فهم الشفرة الوراثية لأول مرة، حيث اقترح عالما الكيمياء الحيوية (Émile Zuckerkandl و Linus Pauling) أنّه من الممكن استخدام تسلسلات الحمض النووي لبناء الأشجار التطورية، وإذا كانت الأشجار المبنية علي الأدلة الجزيئية تطابق تلك الأشجار المبنية على الخصائص التشريحية والمورفولوجية، فإنّه سيكون أفضل دليلٍ متاح على حقيقة النموذج الشجري للتطور الكبروي.
وهكذا بدأت الجهود التي استمرت لعقودٍ طويلة لمقارنة تسلسل الجينات في العديد من الكائنات الحية، وبناء الأشجار التطورية الجزيئية، وكان الهدف النهائي هو بناء شجرة الحياة الكبرى والتي توضح كيف ترتبط كل الكائنات الحية ببعضها من خلال سلفٍ مشترك عالمي.

الطريقة ببساطة هي أن يختار الباحثون جينًا أو مجموعة من الجينات أو التسلسلات الجينية الموجودة في العديد من الكائنات الحية، ثم يتم تحليل هذه الجينات لتحديد تسلسل النيوكليوتيدات داخلها، وبالتالي يمكننا مقارنة تسلسل الجينات عبر الكائنات الحية المختلفة، ثم أخيرًا يتم بناء الشجرة التطورية بناءً على مبدأ أنّ الأنواع الأكثر تشابهًا في تسلسل النيكليوتيدات أكثر قرابةً وارتباطًا ببعضها البعض.
إذًا، فقد تم افتراض أنّ هذه النظرية صحيحة أولًا لبناء الشجرة ثم استخدام الفكرة لإثبات نفسها، إلا أنّه من المفترض أيضًا -إذا كان التطور عبر الأسلاف صحيحًا- أنّ بناء الأشجار باستخدام التسلسلات المختلفة لا بدّ أن يُظهر لنا نمطًا متسقًا عبر الجينات والتسلسلات المختلفة! ولكن كلّ الجهود المبذولة لبناء شجرة الحياة باستخدام الحمض النووي أو أية تسلسلاتٍ بيولوجية أخرى لم تتفق مع هذه التوقعات وخيبت آمال التطوريين بشدّة!

ظهرت تلك المشكلة لأول مرة عندما قام علماء البيولوجيا الجزيئية بتحليل الجينات في أشكال الحياة الأساسية الثلاثة [ البكتيريا والبكتيريا القديمة وحقيقيات النواة ]، لكن لم تسمح هذه الجينات لهذه الأشكال الأساسية للحياة أن تنتظم في شكل شجرة.
في عام 2009، نشرت مجلة نيو ساينتيست على غلاف مجلتها التقرير الذي أسلفت ذكره في المقال السابق بعنوان: “لماذا كان داروين مخطئًا بخصوص شجرة الحياة” شرحت فيه تلك الورطة!

يقول التقرير: “بدأت تلك المشكلة في مطلع 1990 عندما أصبح من الممكن القيام بعملية تسلسل لجينات البكتيريا والبكتيريا القديمة بدلًا من ال RNA فقط، وتوقع الجميع أنّ قياس تسلسلات الحمض النووي سيؤكد الشجرة المبنية على RNA فنجح ذلك مرات وفشل في أغلب الأحيان. فعلى سبيل المثال، قد يشير تحليل الRNA إلى أنّ الكائن (أ) أقرب إلى الكائن (ب) من الكائن (ج)، ولكن الشجرة المبنية على الحمض النووي تشير إلى العكس” (1)

ويشير التقرير أيضًا إلى أنّ الأبحاث تشير إلى أنّ تطور الحيوانات والنباتات لا يشبه الشجرة، وتوضح ما حدث عندما حاول عالم الأحياء الدقيقة “مايكل سيفانين” بناء شجرة تظهر العلاقة التطورية بين مجموعة متنوعة من الحيوانات باستخدام ألفين جين، وهو عدد كبير للدراسة كان من المفترض أن يخرج بنتائج دقيقة للغاية حسب السيناريو الشجري المفترض.

لكن للأسف، يقول التقرير:
“لقد فشل! المشكلة أنّ الجينات المختلفة تحكي سيناريوهات تطورية متناقضة؛ حيث كانت الجينات ترسل إشارات مختلطة، ما يقرب من 50% من الجينات كان لديها تاريخ تطوري واحد، والـ 50% الأخرى لديها تاريخ آخر مختلف.
كان من الصعب جدًا وضع البيانات في شجرة واحدة” قالها سيفانين بأسف:” لقد أبدنا للتو شجرة الحياة” (المصدر السابق)

هذا النوع من التضارب هو ما دفع عالم الكيمياء الحيوية التطوري فورد دوليتيل إلى أن يقول: “التطور السلالي الجزيئي قد فشل في إيجاد الشجرة الحقيقية، ليس بسبب عدم ملاءمة الطريقة العلمية أو اختيار الجينات الخاطئة، وإنما يرجع ذلك إلى أنّ تاريخ الحياة لا يمكن أن يمثّل في شجرة بشكل ملائم” (2)

وبالمثل أيضًا، تشير إحدى الدراسات التي تمت في 2009 إلى أنّ التحدي الرئيسي في دمج هذه الكميات الكبيرة من المعلومات في الاستدلال بأشجار الأنواع هو أنّ (تاريخ الأنساب المتضاربة في كثيرٍ من الأحيان موجود في جينات مختلفة في جميع أنحاء الجينوم) (3)

وخلصت دراسة أخرى أيضًا في دورية الجينوم على مستوى البروتينات في مجموعات حيوانية مختلفة إلى أنّ (البروتينات المختلفة تقوم ببناء أشجار فيلوجينية مختلفة) (4)

وفي دورية Nature في مقالةٍ نُشرت في يونيو 2012 أفادت بأنّ:
(أجزاءًا صغيرة من الـ RNA تسمى microRnas تمزق الأفكار التقليدية حول شجرة الحياة الحيوانية). بالإضافة إلى ذلك، تصف الدراسة قول عالم الأحياء كيفن بيترسون، والذي يدرس microRNAs:

“لقد نظرت إلى آلاف من مورثات الـ microRNAs ولا يمكنني العثور على مثالٍ واحد يدعم شجرة الحياة التقليدية. وطبقًا للمقال فإنّ الـ microRNAs تعطي مخططاتٍ مختلفة للثديات، واحدة منها أنّ البشر أقرب إلى الأفيال من القوارض، ويقولها بيترسون بصراحة أنّه لا يخفى على أيّ أحد أنّ الـ microRNAs تعطي شجرة مختلفة تمامًا عما يريده الجميع” (5)

حاولت دراسة أخرى أيضًا نُشرت في مجلة ساينس أن تقوم ببناء شجرة للعلاقات التطورية بين الحيوانات ولكنها خلصت إلى أنّه (على الرغم من كمية البيانات واتساع نطاق تحليل الفئات، ماتزال العلاقات بين معظم شعب الحيوانات دون حل) (6)

وجاءت اعترافات مثيرة عن المشكلات في إعادة بناء شجرة الحياة أيضًا من ورقة في مجلة PLOS Biology، حيث جاء فيها:
“ينتج جزءٌ كبيرٌ من الجينات المنفردة أشجارًا ذات جودة فقيرة” – مع ملاحظة أنّ إحدى هذه الدراسات استبعدت 35٪ من الجينات المنفردة من مصفوفة البيانات الخاصة بها، لأنّ تلك الجينات أنتجت أشجار نشوء تتعارض مع الأشجار المعتادة – وتقترح الورقة أنّ (بعض الأجزاء الحرجة من شجرة الحياة قد يكون من الصعب حلها، بغض النظر عن كمية البيانات المتاحة)، وتؤكد الورقة أنّ الاكتشاف المتكرر للشجيرات التي لم تُحل بعد سوف تجبرهم علي إعادة تقييم عدة افتراضات واسعة النطاق للأنظمة الجزيئية (7)

بل ويا لخيبة الأمل، حتى في العائلة الواحدة تُخيّب الشجرة آمالهم، إذ حاولت دراسة حساب شجرة التطور لما يقرب من 23 نوعًا من أنواع الخميرة باستخدام 1070 جين، ثم كرروا الحساب لكل جين بشكل فردي فنتج لديهم 1070 شجرة مختلفة، ولم تتطابق ولا واحدة من هذه الـ 1070 شجرة التسلسل المفترضة.

يقول الباحثون بمنتهى الأسى:
“كان هناك صفر تطابق، نحن نحاول معرفة العلاقات الشجرية لـ 1.8 مليون نوع، ولا يمكننا حتى تصنيف 23 نوعًا من الخميرة!!” (8)

وتصف دراسة أخرى هذه المعضلة قائلةً: “كلما تعلمنا أكثر عن جينومات الكائنات، كلما قل الشكل الشبيه بالشجرة التاريخية التطورية المفترض” (9)

وخلصت دراسة أخرى في دورية Trends in Ecology and Evolution إلى أنّ “الأشجار التطورية من جينات مختلفة في كثير من الأحيان لديها أنماط تفرعات متضاربة” (10)

وتخبرنا دراسة أخرى في دورية Genome biology and evolution أنٍه “كلما تراكمت تسلسلات مشاريع الجينوم تصبح مجموعات البيانات الجزيئية هائلة وفوضوية، حيث أنّ غالبية مساقات الجينات تقدم توزيعات تصنيفية غريبة متفرقة، وتاريخ تطوري متضارب” (11)

وتعترف دراسة أخرى قائلةً: “في هذه الورقة، قمنا بفحص إشارات الشجرة الفيلوجينية لأربع مجموعات من البيانات لكي نعالج سؤالًا بسيطًا ألا وهو: هل تدعم الأشجار الفيلوجينية للجينات المتماثلة فرضية الشجرة حقًا؟ وبالتالي تبرر محاولات إعادة إعمار تلك الشجرة؟
قد لاحظنا أنّه لا يوجد تاريخ موحد مشترك يمكن أن ينشأ عن هذه الجينات المتماثلة”

وتخبرنا الدراسة أنّه (من الناحية العملية، أُثبت محاولات بناء شجرة الحياة أنها عمل ممل، تحليلات علم الوراثة لدينا لا تدعم التفكير الشجري). (12)

وتشير دراسة أخرى إلى أنّ (التضاربات بين الشجرات المبنية على المورفولوجيا (التشابهات الهيكلية أو الشكلية) مقارنةً بالشجرات الجزيئية، بل وبين الشجرات المبنية من مجموعاتٍ مختلفة من التسلسلات الجزيئية قد أصبحت واسعة الانتشار مع توسع قواعد البيانات بسرعة في محتوياتها حول الصفات والأنواع.

إنّ التضاربات بين الشجرات المبنية على مجموعات مختلفة من الصفات جد منتشرة، وإنّ التضارب الفيلوجيني قد أصبح مشكلة حادة مع تقدم قواعد البيانات المبنية على الجينومات الكاملة.
أكّدت هذه القواعد الكبيرة أنّ التضاربات الفيلوجينية أمر شائع، وفي كثيرٍ من الأحيان فإنّ التضارب هو العادة وليس الشذوذ). (13)

بسبب هذا السيل من التضاربات والتناقضات، نشرت دورية Nature تقريرًا بعنوان (العظام أو الجزيئات أو كليهما) حول تلك التضاربات حيث يصف التقرير أنّ الفوارق بين الأشجار المورفولوجية والجزيئية تؤدي إلى حروبٍ تطورية، لأنّ الأشجار التطورية المبنية من خلال المستوى الجزيئي لا تشبه غالبًا تلك المبنية على الشكل المورفولوجي.

يقول التقرير:
“الأشجار التطورية التي شُيّدت من خلال الدراسات الجزيئية في كثير من الأحيان لا تشبه تلك التي شُيّدت بناءًا على المورفولوجيا” ونقلًا عن العلماء التطوريين يقول التقرير “باترسون وويليامز وهمفريز علماء المتحف البريطاني، قد وصلوا إلى الاستنتاج التالي في استعراضهم للتطابق بين أشجار النشوء الجزيئية والمورفولوجية: كعلماء مورفولوجيا ذوي آمالٍ كبيرة في العلم الجزيئي، فإننا ننتهي من هذا المسح مع تضاؤل آمالنا. إنّ التطابق بين التسلسلات الجزيئية بعيد المنال كما هو الحال في المورفولوجي، وكما هو الحال بين التشابه الجزيئي والمورفولوجي” (14)

هذه الدراسات هي نقطةٌ في بحر تضاربات وتناقضات التطور في محاولاتٍ مستميتة لإثبات الشجرة المزعومة استنادًا إلى التحليلات الجزيئية. لكن كما رأينا، فالشجرة المزعومة غير موجودة، لم تكن يومًا موجودة في الحفريات ولا بناءًا على السمات الظاهرية، ولم تكن يومًا موجودة على المستوى الجزيئي، وكِلا الطريقين يضرب بعضهم بعضًا. فمن الذي من المفترض أن يقدم إثباتاته للمجتمع العلمي؟ أمن قدم الفرضية ولم يستطع أن يقيمها، أم من يقول أن الأدلة تخالف بوضوح هذه الفرضية. فليجمع التطوريين أوراقهم ويثبتوا للمجتمع العلمي وجود الشجرة التطورية المزعومة ويحوزوا بهذا أكبر سبق في تاريخ البيولوجي.. إن وجدوها!

الجزء الثالث والأخير -إن شاء الله – من هذا المقال سيكون عن المحاولات (الرياضية) النظرية لإثبات شجرة الحياة المفترضة! بعد فشل كل المحاولات العملية!

المصادر:
1- Lawton, Graham “Why Darwin was wrong about the tree of life”, New Scientist (January 21, 2009)
2- Doolittle, W. Ford (1999) “Phylogenetic Classification and the Universal Tree,” Science, 284:2124-2128
3- H. Degnan, James and A. Rosenberg, Noah (2009) “Gene tree discordance, phylogenetic inference and the multispecies coalescent,” Trends in Ecology and Evolution, 24 (2009): 332-340
4- Arcady R. Mushegian, James R. Garey, Jason Martin and Leo X. Liu, “Large-Scale Taxonomic Profiling of Eukaryotic Model Organisms: A Comparison of Orthologous Proteins Encoded by the Human, Fly, Nematode, and Yeast Genomes,” Genome Research, 8 (1998): 590-598
5- Elie Dolgin, “Rewriting Evolution,” Nature, 486: 460-462 (June 28, 2012).
6- Antonis Rokas, Dirk Krueger, Sean B. Carroll, “Animal Evolution and the Molecular Signature of Radiations Compressed in Time,” Science, Vol. 310:1933-1938 (Dec. 23, 2005)
7- Antonis Rokas & Sean B. Carroll, “Bushes in the Tree of Life,” PLoS Biology, 4(11): 1899-1904 (Nov., 2006)
8- Salichos L, Rokas A, (2013) “Inferring ancient divergences requires genes with strong phylogenetic signals”, Nature, 497(7449):327-31
9- Bapteste et al., “Networks: expanding evolutionary thinking,” Trends in Genetics, 29 (2013): 439-41
10- Degnan and Rosenberg, “Gene tree discordance, phylogenetic inference and the multispecies coalescent,” Trends in Ecology and Evolution, Vol. 24:332-40 (2009)
11- Leigh et al., “Evaluating Phylogenetic Congruence in the Post-Genomic Era,” Genome Biology and Evolution, Vol. 3: 571-587 (2011)
12- Bapteste E1, Susko E, Leigh J, MacLeod D, Charlebois RL, Doolittle WF (2005), “Do orthologous gene phylogenies really support tree-thinking?” BMC Evol Biol. 2005 May 24;5:33
13- Dávalos, L. M., Cirranello, A. L., Geisler, J. H., & Simmons, N. B. (2012). Understanding phylogenetic incongruence: lessons from phyllostomid bats. Biological reviews of the Cambridge Philosophical Society, 87(4), 991–1024
14- Trisha Gura, “Bones, Molecules or Both?,” Nature, Vol. 406:230-233 (July 20, 2000)


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق



من أعد المقال؟