×


مُعضِلة تطور أطراف السلمندر.




مُعضِلة تطور أطراف السلمندر.

منذ طرح نظرية التطور على يد “تشارلز داروين” في 1859 والتطوريون يتغنون بقوة أدلتها وكيف أنها جعلتها في خانة “الحقائق العلمية” التي لا يشك فيها عاقل.
ومن بين ترسانة “الأدلة” التي يلجأ إليها التطوري، الأشهر هو دليل التشابه البنيوي للكائنات الحية وبالأخص مثال اشتراك رباعيات الأرجل في نمط عظام الأطراف الأمامية.

كنا قد بينَّا من قبل أن هذا الدليل ليس فقط دليلًا متهافتًا لا يصح الاحتجاج به على صحة التطور، بل ويمكن أن يُصبح حجةً ضده تحتاج تفسيرًا, وهذا في المقال الذي ناقشنا فيه معضلة الأطراف الأمامية/الخلفية.لرباعيات الأرجل (1). غير أن معضلة الأطراف الأمامية/الخلفية لرباعيات الأرجل ليست هي المعضلة الوحيدة التي تجعل الدليل حجة ضد التطور لا حجة له، بل هناك العديد من الأمثلة التي يمكن أن نجندها ضد هذا الدليل، مثل كون هذا الدليل يعتمد على الاستدلال الدائري وهذا بسبب وجود تشابهات لا يمكن تفسيرها بالاعتماد على التطور (وجود أسلاف مشتركة) فيما يعرف بالتطور المتوازي أو المتقارب (9)، مما يجعل كل حالة تشابه نحتاج فيها لفرضية التطور المتوازي أو المتقارب تعتبر مثالا مستقلا ضد هذا الدليل (2).

من سوء حظ مستخدمي دليل التشابه البنيوي بالاعتماد على المثال الأشهر والمتمثل في تشابه نمط عظام الأطراف الأمامية لرباعيات الأرجل، وجود -ليس معضلة واحدة فقط يجب حلها (أو بالأحرى ترقيعها)- (1) بل معضلة أخرى قَلَ منْ يعرفها: معضلة تَطوُر أطراف السلمندر.

عند كل الكائنات رباعية الأرجل المدروسة، وجد العلماء أن الهيكل العظمي للأطراف الأمامية/الخلفية يتطور جنينيا وفق نمط (مخطط) واحد، حيث يبدأ تشكل العظام بترتيب زمني ومكاني محدد ودقيق جدا و محفوظ، إلا عند مجموعة الحيوانات البرمائية المسماة بالسلمندرات Urodela، والتي تبين أنها تختلف عن نمط التطور الجنيني (الترتيب الزمني والمكاني) عند باقي رباعيات الأرجل بطرق أساسية (أنظر الصورة “1” من المرجع (3)) كما تخبرنا به مراجعة شاملة لهذا الموضوع (3):

“Limb skeletogenesis of salamanders differs in a number of profound aspects from this conservative tetrapod pattern”

” نشوء الهيكل العظمي لأطراف السلمندرات يختلف بشكل عميق من عدة جوانب عن نمط رباعيات الأرجل المحافظ هذا (أي النمط العام عند بقية المجموعات)”.
ما يجعل هذا الإختلاف معضلة تطورية ليس فقط شذوذ مُخطط تطور أطراف السلمندرات عن العام لرباعيات الأرجل، بالرغم من الاعتقاد بأنهم يشتركون في سلف مشترك واحد، بل ما يجعل الأمر معضلة حقيقية هو ما يتطلبه الأمر لكي يتغير نمط تطور هذه الأطراف، والذي من المفترض أن نشوءه وتثبيته قد تم عند ظهور السلف المشترك لكل رباعيات الأرجل، وقد أورثه لكل أسلافه من بعده.

إن نمط تشكل الهيكل العظمي لأطراف رباعيات الأرجل هو صفة أساسية لا يمكن المساس بها عبر إحداث طفرات عليه، فالمخطط التشريحي النهائي للأطراف مبنيٌ عليه. إذًا فأي تغيرٍ لهذا النمط المركزي سيجعل من أي خطوات مستقبلية أمرًا غير ممكن، لاعتماد هذه الخطوات المستقبلية في حدوثها على وجود المخطط الأساسي وليس أي نمط آخر ناتج عن الطفرات! هذا الاعتماد المستقبلي يجعل من تغير النمط أمرًا متعذرًا وهو ما يعطى للمعضلة قوتها (8).

فلا عجب إذًا من اعتراف مؤلفي الدراسة (3) بعدم وجود جواب على كيفية تطور هذا النمط الشاذ بالرغم من التاريخ الطويل لدراسة التطور الجنيني لأطراف السلمندر :
“Despite this striking deviance from an otherwise conserved pattern in tetrapods and the long history of research on salamander limb development, it remains unclear what the evolutionary history of this pattern is….”
” بالرغم من هذا الانحراف المدهش عن النمط المحفوظ في رباعيات الأرجل وبالرغم من تاريخ البحث الطويل في تكون أطراف السلمندر، إلا أن التاريخ التطوري لهذا النمط يبقى غير واضح (نمط السلمندر)…..”

هذا الاختلاف المدهش -كما يصفه أصحاب هذه الدراسة- يحتاج تفسيرًا. لجأ بعض العلماء قديما (1933 و 1965) إلى فكرة التطور المتوازي أو المتقارب، فاقترحوا أن السلمندرات تطورت وحدها باستقلالية عن باقي رباعيات الأرجل (3)(4)(5)!!، لكن هذا الاقتراح يسبب مشاكل جمة لشجرة الحياة التطورية المزعومة، ذلك لأن العديد من الصفات الأخرى تفترض أن رباعيات الأرجل تتشارك في سلف مشترك واحد (3).

إذًا يبدو أننا نواجه مثالًا على التضارب بين مختلف الصفات في شجرة الحياة المزعومة، تضاربًا عويصًا للغاية، ولهذا احتاج التطوريون حلًا لهذه الأزمة! وهذا الحل تمثل في التخلص من فرضية التطور المتقارب/المتوازي عبر إيجاد طريقة لشرح كيف لهذا النمط أن يتغير ويتطور من النمط العام الذي نجده عند باقي رباعيات الأرجل، وهذا ما تم فعله وطرحه كفرضية في 1999 (6)، ولكن للأسف فإن الفرضية المطروحة على الرغم من محاولتها حَلَّ جزءٍ من المعضلة فقط قد فشلت في ذلك وتبين بطلانها كما بين أصحاب المراجعة في الدراسة (3).

بعد أن يئس التطوريون من إيجاد تفسير تطوري للمعضلة، ولمن لا يعلم فالتفاسير التطورية هي تفاسير تاريخية أي تعطي أسبابًا تاريخيةً لشرح الملاحظات في الحاضر، فمثلا يتم شرح التشابه في الحاضر عبر اقتراح وجود أصل مشترك في الماضي (سلف مشترك).
إذًا بعد أن يئسوا من إيجاد تفسير تاريخي لجؤوا إلى تفسيرٍ غائيٍّ، ففسروا وجود هذا النمط المميز في السلمندر باقتراح وظائف ممكنة له!

” The currently most widely accepted hypothesis to explain the evolution of preaxial dominance in limb development is that it arose as a larval adaptation facilitating interaction of the free swimming larva with the environment while limbs are developing” (3)

“الفرضية الأكثر قبولًا حاليًا لشرح تطور السيادة القبل-محورية في تطور الأطراف (مجرد مصطلح براق آخر) هو أنها ظهرت كتأقلم لليرقات التي تسبح بحرية للتسهيل من تفاعلها مع الوسط بينما الأطراف تتشكل”
أي أنهم اقترحوا سببا وظيفيا (غائيا) لوجود النمط وليس سببا تاريخيا. تفاسير الأشياء بالاعتماد على الأهداف النهائية التي وجدت من أجلها تسمى تفاسيرا غائية “Teleological Explanations” وهي من علامات وجود هدف وغاية وقصد وإرادة، وليست تفاسيرا طبيعية!

التفاسير الغائية لا تفسر “كيف” وُجدت الأشياء بل “لماذا” وُجدت. التفسير الذي قدموه بالإضافة إلى كونه اعترافا ضمنيا بالغائية في الحياة، فإنه لا يعتبر تفسيرا لكيفية ظهور هذا النمط أصلًا.. فهو أشبه بشخص حاول تفسير ظهور السيارة بقول “وجدت السيارة لكي يركبها الناس ويتنقلوا بها لمسافات طويلة بدون تعب”!!
وبهذا نبقى بدون أي تفسير تطوري حقيقي! معضلة بلا حل.

إن لم يمثل ما قلناه حتى الآن معضلة بعد، إليك التكملة لنزيدك من الشعر بيتًا فالمعضلة لا تزال أعمق!
ففي 2015، اكتُشِفَ أن السلمندرات ليست المجموعة الحيوانية الوحيدة التي تمتلك نمط تطور جنيني شاذ لأطرافها (7)، فقد حددت الدراسة وجود عدة مجموعات من الكائنات المنقرضة تمتلك هذا النمط الشاذ أيضًا. المثير هنا هو أن هذه المجموعات أقل قرابة للسلمندرات من قرابة الضفادع للسلمندرات,كما يصنفها التطوريون (7), لكن الغريب هو أن الضفادع لا تتشارك مع السلمندرات في هذا النمط الشاذ، بل إن أطراف الضفادع تتطور جنينيًا وفق النمط العام!!

يترتب عن هذه الملاحظة المثيرة وجوب تطور هذا النمط الشاذ مرتين باستقلالية تامة (مرة في تلك الكائنات، و مرة أخرى مع السلمندرات)! مع أن الدراسة جعلت معرفة أي النمطين هو الأصلي غير ممكنة، أي النمط الذي كان عليه السلف المشترك لرباعيات الأرجل، إلا أن تطور أي نمطٍ من الآخر يعتبر معضلة، والآن بعد هذا الاكتشاف يجب أن نؤمن بأنه تطور مرتين في مجموعات مختلفة من الكائنات بمحض الصدفة السعيدة!

هل تعتقد أننا فرغنا؟ وأن الأمر لا يمكن أن يزداد سوءًا للتطوريين؟ ليس بعد!!
ما يزيد من مشاكل التطوريين ويؤكد عدم اشتراك أطراف السلمندرات في سلف مشترك مع أطراف باقي رباعيات الأرجل, ليس فقط اعتماد أطراف السلمندر على أنماط تعابير جينية (Expression patterns) مختلفة لبعض الجينات المعروفة بأنها أساسية في نمو الأطراف جنينيا (3)، بل اعتمادها على جينات يتيمة خاصة بالسلمندرات والمسماة أيضًا “الجينات المقيدة تصنيفيا” والتي تلعب دورًا مركزيًا وأساسيًا في تطور أطرافها جنينيا!! (7، 10)

لمن لا يعرف ما هي الجينات اليتيمة أو المقيدة تصنيفيا: هي جينات خاصة بنوع أو مجموعة أنواع من الكائنات لا شبه لها إلا في تلك المجموعة المعينة. (11، 12) .. يعني ليس فقط نمط النمو مختلف، بل الجينات المسؤولة عنه مختلفة ولا توجد إلا في تلك المجموعات!

خلاصة القول هي :

النمو الجنيني لأطراف السلمندرات يضعك في معضلتين، فإما أن تقترح تطورا متوازيا أو متقاربا لحاملي هذا النمط الشاذ وهذا يعتبر معضلة في حد ذاته، أو أن تحاول شرح تطور أحد النمطين من الآخر، وهذا يعتبر معضلة أيضاً! فما هو الحل؟ الحل هو أنه لا يوجد ولم يوجد سلف مشترك أصلا! وأن دليل التشابه ليس فقط باطلا ومتهافتا بل هو دليل ضد التطور!
يجدر الذكر بأن معضلة الأطراف الأمامية/الخلفية تزداد حدة عندما يتم قرنها بمعضلة تطور أطراف السلمندر وهذا من عدة أوجه:

1 – الأطراف الأمامية/الخلفية لرباعيات الأرجل كان يجب عليها أن تتطور باستقلالية ليس فقط مورفولوجيًا بل أيضًا أن يتطور نمط تشكل عظامها جنينيا كل على حدة لتشابههما فيه! كما أسلفنا في المقال السابق.

2 – يجب على نمط تشكل عظام أطراف السلمندر (أو العكس حسب النمط الذي كان عليه السلف المشترك المفترض) أن يتغير في كل الأطراف، الأمامية والخلفية، لاشتراكهما في هذا النمط الجديد المختلف (3) وبمجموعة جينات مختلفة وتعبيرات جينية مختلفة كذلك! كل ذلك بمحض الصدفة السعيدة!

عندما تصبح أشهر الأدلة على صحة التطور، معضلات بعضها فوق بعض و يجب حلها أو بالأحرى ترقيعها.

المصادر :

https://muslims-res.com/%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A3%D9%82%D9%88%D9%89-%D8%AD%D8%AC%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1-%D8%AD%D8%AC%D8%AC%D8%A7%D9%8B-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87-%D9%88.html/

https://www.cam.ac.uk/research/news/map-of-life-predicts-et-so-where-is-he

https://anatomypubs.onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1002/dvdy.22629

https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1463-6395.1933.tb00009.x

https://brill.com/view/journals/ijee/14/1-4/article-p141_12.xml

https://academic.oup.com/icb/article/39/3/686/148655

https://www.nature.com/articles/nature15397

الفصل الثالث من كتاب أيقونات التطور بعنوان :
“Homology in vertebrate limbs”

https://www.amazon.com/Icons-Evolution-Science-Teach-About/dp/0895262002

https://www.nature.com/articles/ncomms9684

https://evolutionnews.org/2018/11/about-orphan-genes-whats-the-big-problem-for-evolution/

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6158316/



تحميل المقال كـ PDF عبر باتريون

التعليقات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن




المساهمون في الإعداد