×


البوزونات والفرميونات: وجه تشابهٍ جديد.




البوزونات والفرميونات: وجه تشابهٍ جديد.

حسب قوانين الفيزياء المعروفة في يومنا هذا، يمكن تقسيم الجزيئات إلى صنفين: فرميونات (Fermions)، وَبوزونات (Bosons). تتميز الفرميونات بِكَون لَفِّها المِغزلي (Spin) يساوي نِصف عَدَدٍ صحيح (1/2، 3/2، …)، أما البوزونات فإنَّ لفَّها المغزليُّ يساوي عددًا صحيحًا (0، 1، …). ما يميز الفرميون هو أنَّه لا يشارك الحالة الكمِّيَّة ذاتها مع أيِّ فرميون آخر، في حين أنَّ البوزونات يمكنها أنْ تَشغَلَ الحالةَ الكميَّة ذاتها. ويَنجُمُ عن هذا الَتضادِّ الجوهريِّ اختلافاتٌ كبيرة في السلوكِ ونوعان مختلفان من الإحصائيات تخضع لهما البوزونات والفرميونات عند درجات حرارة منخفضة.

على الرغم من هذا الاختلاف الأصوليّ بين الفرميونات والبوزونات، فإنَّ التنبؤات النظرية تشير إلى أنَّ بعض الأنظمة الكمومية متعددة الأجسام (many-body quantum systems) عند إخضاعها لظروفٍ مُعَيَّنَة يمكن لها أنْ تتصرف بعكس طبيعتها، أيْ إنَّ الفرميونات يمكن لها التصرف مثل البوزونات (Bosonization) والبوزونات أيضًا قد تتصرَّف كالفرميونات (Fermionization).

لنفترض أنَّ لدينا غاز بوزونات مرصوصًا في بُعدٍ واحد على درجة حرارة منخفضة، إذا كانت هذه البوزونات لا تتفاعل فيما بينها إلَّا على نَحْوٍ ضعيف، فعندها يخضع هذا الغاز لإحصائيات بوز-أينشتاين (Bose-Einstein Statistics) ويكون لديه سلوك مغاير لغاز الفرميونات كما هو معلوم. هذه البوزونات تتداخل فيما بينها بحيث يمكن أن يَشغلَ بوزونان أو أكثر المكان نَفسه. لنفترض الآن أنَّنا بطريقةٍ ما تَمكَّنَّا مَنْ مَنَعِ هذه البوزونات من التَّداخل فيما بينها بحيث أصبح البوزون ينفر عن البوزون الآخر في مشهد محاكٍ لتنافر الفرميونات بسبب مبدأ استبعاد باولي (Pauli Exclusion Principle). في هذه الحالة يتشابه التوَزُّع المكاني للبوزونات مع التوزع المكاني لغاز من الفيرميونات التي لا تتفاعل فيما بينها. يعرف مثل هذا الغاز باسم تونكس-جيراردو (Tonks-Girardeau) وقد تمَّ طرحه نظريًّا سنة 1960 [1].

احتاجَ غاز تونكس-جيراردو نصفَ قرنٍ تقريبًا كَي يُبصرَ النُّور [2،3]، إذ استخدمَ الباحثون ذَرَّات الروبيديوم (Rubidium-87) كغاز من البوزونات، ولتوليد تَنافرٍ كافٍ بين البوزونات، جرى تسليط شعاعين من الليزر، أحدهما محوري والآخر عرضي، بتركيزٍ عالٍ على البوزونات بحيث يحتجزان كلَّ بوزون داخل حواجز طاقة على شكل فِخاخٍ متوزعة على شبكة تعرف بالشبكة الضوئية (Optical Lattice). أكَّدت هذه التجارب صِحّّة التَّنبُّؤِ النَّظريِّ حول تشابه التوزع في المكان لغاز تونكس-جيراردو مع التوزع المكانيِّ لغاز من الفرميونات.

ولكنَّ وجود هذا التشابه المميز بين الفرميونات والبوزونات لا يعني تطابقهما، فهما لا يزالان يختلفان في خصائص أخرى لا سيما توزُّع الزخم (Momentum Distribution). بعبارة أخرى، فإن البوزونات ما زال بإمكانها الاشتراك فيما بينها بقيمة السرعات. لكنْ، وفي الفترة التي أصبح فيها غاز تونكس-جيراردو متاحًا على أرض الواقع، تنبأت دراسة نظريَّة [4] بأنَّه في حال سمحنا للبوزونات بالخروج من حفر الطاقة المحتجزة بها من خلال قطع أشعة الليزر خلال فترة زمنية طويلة بما يكفي، فعندها سنجد أنَّ البوزونات الديناميكية هذه تمتاز بتوزعٍ زَخَمِيٍّ مشابه لحالة غاز من الفيرميونات غير المتفاعلة فيما بينها.

وفي دراسة حديثة نشرت مؤخرًا [5] استطاع باحثون التأكيد على صحة هذا التنبؤ بالتجربة المخبريَّة، لِيَتِمَّ بذلك إثبات وجود بُعد جديد تتشابه فيه البوزونات والفرميونات. وللتمكن من قياس التوزع الزخمي للبوزونات؛ قطع الباحثون شعاع الليزر المحوري فقط، مِمَّا يسمح للبوزونات بالتمدد في بعد واحد بشكل حر. بالإضافة إلى ذلك، وعلى نحوٍ غير متوقع، وجد الباحثون في هذه التجربة أنَّ تغيُّرًا مفاجئًا في تركيز الأشعة المحورية عبر رفعها أو خفضها لفترة كافية قبل قطعها بالكامل، يؤدي إلى تأرجح التوزَّع الزخمي للغاز بحيث يكون خاضعًا لإحصائيات البوزونات مرَّةً، وخاضعًا لإحصائيات الفرميونات مرَّةً أخرى. أَيْ إنَّ الغازَ يُظهِرُ سلوكَ البوزونات في مرحلةٍ زمنيةٍ معينة، ثم يتصرف مثل الفرميونات في المرحلة الزمنية التالية، وهكذا.

لا شكَّ أنَّ هذا الرَّبط بين الفرميونات والبوزونات يُعَدُّ تَعَمُّقًا واضحًا في الفيزياء الأصوليَّة. أمَّا على الصعيد التكنولوجي، فإنَّ هذا التقدم في دراسة الغازات الكَمِّية الديناميكية -على المستوى النظري والمَخبريّ- يؤدي دورًا بارزًا في تطوير الأجهزة الكمِّيَّة الحديثة والتي تعتمد بشكل كبير على أنظمة ديناميكية، لا سيّما الحواسيب الكمِّيَّة [6].

أعدّه: عبد الله عمار.
راجعه: سلمى البقلوطي.
دقّقه: الطّاهر الحاجّ زين.

المصادر:
[1] M. Girardeau J. Math. Phys. 1960, 1 (6) 516-523.
[2] B. Paredes et al. Nature 2004, 429 (6989) 277-281.
[3] T. Kinoshita et al. Science 2004, 305 (5687) 1125-1128.
[4] M. Rigol and A. Muramatsu Phys. Rev. Lett. 2005, 94 (24) 240403.
[5] J. M. Wilson et al. Nature 2020, 367 (6485) 1461-1464.
[6] U.S. Army Research Laboratory. “Boson particles discovery provides insights for quantum computing.” ScienceDaily. ScienceDaily, 14 April 2020.

0 0 votes
Article Rating


تحميل المقال كـ PDF عبر باتريون

التعليقات
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments




المساهمون في الإعداد






0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x