×


التسويق الشبحي الخفي




التسويق الخفي (Stealth marketing)

هل وجدت يومًا عقلك الباطن منجذبًا إلى منتج ما، وأردت شراءه بشدة؟! إليك السبب:

عُدَّت شركة (Sony Ericsson) في عام (2002م) من أوائل الشركات التي أنتجت هاتفًا مزودًا بكاميرا رقمية محيطية تسمى (T68i)، وقد أرادت الشركة إثارة ضجة على نطاق واسع لتسويق هذا الجهاز، وباعتبار كون هذا الجهاز مزيجًا جديدًا من التقنيات المتطورة التي صَعَّبت مهمة فريق التسويق في إيجاد سبل لتقديمه وعرضه على المستهلكين بالطرائق التقليدية (مثل إعلانات المجلات والتلفاز)، وليتم القيام بحملة تسويقية مُكثفة؛ بدأت (Sony Ericsson) بالعمل على ما سيصبح أحد أشهر أمثلة التسويق الخفي في التاريخ.
بالاعتماد على (60) شخصية معروفة في (10) مدن كبرى، أطلقت (Sony Ericsson) أثرًا فيروسيًّا لا يزال يُتَحَدث عنه إلى اليوم، فقد جُسِّدَت هذه الشخصيات في هيئة سياح، إما أزواج أو أفراد، وطلبوا من الغرباء الموجودين في الشارع مساعدتهم في التقاط صورة، وبدلاً من تسليم هؤلاء الغرباء كاميرا لتصويرهم فقد قاموا بتسليمهم الهاتف الجديد من (Sony Ericsson)، كان الهدف إثارة اهتمامهم والسماح لهم باكتشاف المنتج بأنفسهم من خلال استعماله فعليًا على أرض الواقع، وبدؤوا يتحدثون بحماس عن ميزات الجهاز، وعلّموا المارة كيفية استعماله. كان الهدف من الحملة حثَّ أكبر عدد ممكن من الأشخاص على التحدث عن تجربتهم الفريدة باستخدامهم هاتفًا يحتوي كاميرا جديدة ومبتكرة.
عُدَّت الحملة ناجحة إلى حد كبير، إذ ارتفعت مبيعات (T68i) ليصبح واحدًا من أكثر الهواتف مبيعًا لذلك العام في العديد من البلدان، باستعمال ما أطلق عليه: التسويق الخفي، فما هذا التسويق، وكيف يطبق؟
يُعَد التسويق الخفي أو الشبحي (Stealth marketing)، أحد الاستراتيجيات التابعة لمفهوم تسويق حرب العصابات (Guerrilla marketing)، التي تحدثنا عنها في مقال سابق (الرابط في التعليقات). بالنسبة إلى الأشخاص غير المطلعين على التسويق، قد تبدو فكرة التسويق باستخدام الكتابة على الجدران سخيفة نوعًا ما، ولكن في الحقيقة، هذه الاستراتيجيات ليست غريبة بالنسبة إلى فرق التسويق، لأنها تحدث بشكل يومي وتؤثر على المستهلكين دون علمهم. فالنقطة الفارقة بين المسوقين والمستهلكين هي أن المستهلكين لا يدرون أنه يجري التسويق لهم دون علمهم.
ظهر مصطلح “التسويق الخفي” في الصحافة التجارية بشكل متقطع على مدى العقدين الماضيين، وتم تقديمه من طرف الباحثين (AM Kaikati) و(JG Kaikati) في الأدبيات الأكاديمية، للإشارة إلى الاستراتيجيات التي تستهدف العملاء دون علمهم وموافقتهم، وقد عرّفا التسويق الخفي باستراتيجية تستعملها الشركات لتستهدف العملاء خلسة دون علمهم وموافقتهم برسائل مخفية، ويوضح الباحثان أن التسويق الخفي يقع في حالين:
أولًّا، الكلام المتناقل (Word of mouth)، وهي أداة ترويجية واعدة وفعالة.
وثانيًا، التوصيات الشخصية من المجموعات المرجعية (غالبًا ما يكونون قادة الرأي (Opinion leaders)، وهم امتداد طبيعي للجماعات المرجعية، مثل: رجال السياسية، ورواد الفكر والأدب، والأطباء، ورجال الأعمال، والصحفيين، والمشاهير، وعلماء الدين. [هارفارد بزنس ريفيو] ، تؤدي هذه التوصيات دورًا حاسمًا في نجاح هذه العملية.
وقد أُضيف المصطلح إلى قاموس كامبريدج (Cambridge Dictionary)، وقد عُرِّف من منظور خاص بالمستقبلين للرسالة الترويجية، وذُكر على أنه عملية الترويج لمنتج بطريقة يكون فيها الأشخاص على غير دراية بأنه يجري دفعهم نحو شراء المنتج (وضع صورة المنتج في فيلم هو مثال على التسويق الخفي). يجتمع مفهوم التسويق الخفي (Stealth) والعديد من المفاهيم الحديثة المشابهة له والتي تندرج ضمن نطاق واحد، إذ يجري استعمال مفاهيم التسويق السري (Undercover)، والتسويق الطنان (Buzz)، والتسويق الفيروسي (Viral) بشكل متبادل، ويكون تعريفها بأنها تكتيكات تستخدم للوصول إلى الجمهور المستهدف، دون النظر إلى الرسائل الترويجية على أنها ترويج معلن [Cooney, 2005]. التسويق الخفي يشمل تصميم ونشر رسالة معدّة بعناية للجمهور المستهدف بطريقة غير ظاهرة، عادة بشكل معتمد على تقنيات (Buzz marketing)، ويمكن القول بأن هذه الاستراتيجية لها مظهر مماثل للتسويق الفيروسي. ولكن، يكمن الاختلاف الرئيس في حقيقة أن التسويق الفيروسي واسع الانتشار ويستهدف الملايين من الجماهير، في حين يهدف التسويق الخفي إلى جذب اهتمام عدد قليل من الأعضاء الذين جرى اختيارهم مسبقًا من مجموعات عملاء معينة، والذين يُتَوَقع أن يقوموا نيابة عنهم بإحالات إلى أفراد آخرين من مجموعات أخرى.
وتتميز كل أساليب التسويق الحديث هذه عن التسويق التقليدي، في أن الأخير يدور حول محاولة جذب المستهلكين الذين يرغبون في المنتج وإقناعهم، أما التسويق الخفي فيكون من خلال جعل أُناس يتخفون ويختلقون تفاعلات شخصية مع الناس، من أجل ترويج منتج جديد، دون أن يدركوا أنه يجري تسويقه لهم دون حاجة أو رغبة مسبقة فيه.

هناك مجموعة من تقنيات التسويق الخفي التي يمكن استعمالها لكسب ميزة تنافسية أبرزها:
1- مروجو العلامة التجارية (Brands pushers):
تتمثل مهمتهم الرئيسة في التصرف بهدوء وتحريك العلامة التجارية تحت أنظار العملاء المحتملين؛ من أجل خلق سلسلة تأثيرات من خلال عرض خدمة المنتج لعدد قليل من رواد الموضة كما يطلق عليهم، والذين- بدورهم- يؤثرون على مئات آخرين. يُطلب منهم الحفاظ على السرية التامة لوظائفهم من خلال التوقيع على اتفاقيات سرية تمنعهم من الكشف عن مهامهم.
2- تسويق المشاهير (Celebrity Marketing):
نظرًا لأن تقنيات التسويق الخفية أصبحت أكثر انتشارًا، يبدو أن بعض التكتيكات أصبحت أكثر إثارة للجدل من غيرها، تستعمل الشركات، وأهمها شركات الأدوية، برامجها الإخبارية لبث تأييد المشاهير المأجورين لمنتجاتهم على أن يتظاهروا بأنها شهادات (تصريح لمديح منتج ما) غير مدفوعة الأجر دون علم المشاهدين. يجري توظيفهم من قبل شركات الأدوية الكبيرة لمناقشة أمراضهم الطبية وذكر عقاقير معينة بشكل عرضي، أثناء الدردشة مع مضيف برنامج حواري على الهواء دون الكشف عن هذه الترتيبات المالية.
في مارس (2002م)، عندما أجرى “مات لوير” المضيف المشارك في برنامج (Today) مقابلة مع أحد المشاهير، ذكر أن أحد أصدقائه أصيب بعمى جزئي بسبب مرض في العين يسمى (الضمور البقعي)، وقد أشار هذا الضيف إلى دواء جديد (Visudyne)، يهدف إلى علاج المرض، ومع ذلك، لم يذكر الضيف أنه قد دُفِع له من قبل صانع (Visudyne) للحديث عن العلامة التجارية، ويوجد غير ذلك الكثير.
تقدر بعض الدراسات أن المواطن العادي يتعرض لنحو (5000) مثال للتسويق الخفي كل يوم، سواء كانت الإعلانات على هوامش صفحة (Facebook) الخاصة به، أو بالكاد يلاحظ وجود منتج في فيلم أو برنامج تلفزي للتواصل مع ممثل مدفوع الأجر يثير محادثة حول منتج، مما يجعل تجنب التسويق الخفي أمرًا شبه مستحيل.
3.التسويق الفيروسي (Viral Marketing):
هو- ببساطة- نشاط تسويقي تنتشر فيه المعلومات عن المنتج بين الأفراد المستهدفين، وغالبا ما يكون ذلك عبر الإنترنت. ظهر التسويق الفيروسيّ في عام (1997م)، مترافقًا مع ظهور خدمة (Hotmail) حيث كانت الخدمة ثوريةً؛ لأنها قدمت لأول مرّةٍ في التاريخ خدمة البريد الإلكترونيّ المجانيّ على شبكة الإنترنت، وقد جرى في حينها إرفاق رسالةٍ ترويجيَّةٍ مجانيَّةٍ لكل رسالة بريدٍ إلكترونيٍّ صادرةٍ نصها:
“احصل على البريد الإلكترونيِّ الخاص بك مجاناً من(Hotmail) على: (http://www.hotmail.com/).
لقد وضع مؤسسو الشركة في ذهنهم تقديم منتجٍ مبتكر، وفي الوقت نفسه تنفيذ شكلٍ بسيطٍ وغير مكلفٍ ومقنعٍ للدعاية لهذا المنتج.

كل هذه الأحداث السابقة التي أثارت الجدل أدت بالكثير من الباحثين إلى طرح التساؤل الآتي: هل يُعَدُّ التسويق الخفي أمرًا قانونيًّا وأخلاقيًّا؟
يعتقد الكثير من الناس أن التسويق الخفي طريقة غير أخلاقية للإعلان عن منتج أو خدمة؛ لأنه يعتمد بشكل أساسي على الخداع، فيخدع المعلن جمهوره عن عمد، بعدم الكشف عن علاقته بالمنتج أو الخدمة التي يُشيد بها. وبالنظر إلى ردود الفعل السلبية للأشخاص الذين يدركون أنه تم التسويق لهم بهذه الطريقة، من الواضح جدًا أن هناك الكثير من المخاطر التي ينطوي عليها استعمال تقنية التسويق هذه، من بينها التلاعب بعقول المستهلكين؛ ولذلك طلبت بعض مجموعات حماية المستهلك من لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية التحقيق في ممارسات التخفي في وقت مبكر من عام 2005م، بَيد أنه يوجد العديد من أساليب التسويق السرية غير القانونية التي تمارس بشكل صريح في الاتحاد الأوروبي.
تفرض لوائح لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) على المعلنين الإفصاح عن العلاقة بين الشخص الذي يوصي بشراء المنتج والشركة التي تبيع المنتج [Crescenti, 2005]. وبناءً على معايير لجنة التجارة الفيدرالية (FTC)، يعد التسويق الخفي ممارسة خادعة في قانون الأخلاقيات ومعايير الممارسة. وكذلك تنص جمعية التسويق الكندية (2008) على ما يلي: “يجب على المسوقين تجنب المبادرات السرية أو الشفهية التي تشجع المستهلك على الاعتقاد بأن وكلاء التسويق يتصرفون بشكل مستقل ودون مقابل، في حين أنهم يقومون بعكس ذلك”.
على الرغم من الانتقادات الكثيرة من جهات مختلفة، فإن التسويق الخفي قوي الحضور، له دور فعال عندما يتم تنفيذه بذوق. ومع فقدان فاعلية الإعلانات التلفزية التقليدية المتزايد، يتم الضغط على مديري العلامات التجارية للتفكير خارج الصندوق، من خلال التخفي للوصول إلى المستهلكين الذين لا يتعاملون مع الشركة وجذب اهتمامهم؛ وذلك من أجل تحقيق المزيد من الأرباح. إذًا، سوف تستمر الشركات في ابتكار أساليب جديدة يصعب اكتشافها، ويراهن مديرو العلامات التجارية على أن فوائد التسويق الخفي ستتجاوز الانتقادات والمضايقات من قبل جمعيات حقوق المستهلكين.
وإذا كان من أخلاقيات التسويق أن يكون ببساطة أمينًا وشفافًا، فهل سيفقد هذا المجال مقوماته الإبداعية، ولمسته الفتية والعفوية، في حال التخلي عن الممارسات الحديثة التي تثير جدلًا مستمرًّا؟!

المصادر :

https://trello-attachments.s3.amazonaws.com/5e590fa39fbf5b30f13f5dcc/5e5d732cdae4841a0236fe8d/9151dbc743d9b9af326c872431dccaf6/5.pdf

https://trello-attachments.s3.amazonaws.com/5e590fa39fbf5b30f13f5dcc/5e5d732cdae4841a0236fe8d/b20a5391879306bb1cb9a6918bd0ae02/3.pdf

https://trello-attachments.s3.amazonaws.com/5e590fa39fbf5b30f13f5dcc/5e5d732cdae4841a0236fe8d/a6c7218a05958a4efb171b6a29128530/2.pdf

https://trello-attachments.s3.amazonaws.com/5e590fa39fbf5b30f13f5dcc/5e5d732cdae4841a0236fe8d/1651ca3e66c1e480d5c39025e4c99979/1.pdf

5 1 vote
Article Rating


تحميل المقال كـ PDF عبر باتريون

التعليقات
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments




المساهمون في الإعداد






0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x