×


الرضاعة الطبيعية مفيدة جدًا




الرضاعة الطبيعية مفيدة جدًا.
لكن هل يمكن أن تغير الطفل؟!

كثيرًا ما يتردد في حملات التشجيع على الإرضاع الطبيعي عبارات عن فوائده الجمة، وأنّ الحليب الصناعي لا يصل لمستوى فائدة حليب الرضاعة مهما كانت مكوناته؛ (لنا مقال عن فوائد الرضاعة الطبيعية تجدون رابطه في التعليقات)، ولكن، هل يمكن أن يتجاوز تأثير حليب الرضاعة الطبيعي هذا؟! إليكم بعض المفاجآت:

سنسردُ لكم متابعينا في هذا المقال عدةَ معلومات عن حليب الرضاعة، ودخوله في تطور الطفل وتأثيراته الأخرى من الدراسات العلمية… بسم الله نبدأ:

كما تعلمون فجيناتُ الإنسان تُحدَّدُ من خلال الصيغة الجينية للأب والأم عند التحام النطفة مع البويضة، فتتحددُ المادةُ الوراثية لذلك الإنسان، وبالتالي صفاته المختلفة! لكن يبدو أن هذا لم يعد الحقيقة الكاملة.

#بل_تبين أن الوراثة البيولوجية للنمط الظاهري المنتَقِل من جيل إلى آخر ناتجة عن انتقال المادة الوراثية من كلا الوالدين (ما ذكرناه) وعن التأثيرات الأمومية. لكن ماهي التأثيرات الأمومية هذه؟ كيف تنتقل للأبناء وبماذا تؤثر؟

ذكرتْ مراجعة لبعض الدراسات العلمية أن التأثيرات الأمومية تأتي للطفل من 3 مصادر، هي:

* التأثيرات المنقولة بسيتوبلازما البويضة: ليس المقصود هنا المادة الوراثية للبويضة الآتية من الأم، التي تندمج مع المادة الوراثية للنطفة، إنما المقصد أمور كالبروتينات الموجودة في سيتوبلازما البويضة، والرنا RNA، وكذلك الميتوكندريا.

* التأثيرات التي تعرّض لها الجنين داخل الرحم.

* التأثيرات التي تعرض لها الطفل في المرحلة المبكرة التالية للولادة، والتي تكون عبر الإرضاع و/أو مبادلة العضويات الدقيقة.

________________________________________________
#ماذا_أيضًا؟!

يمنحُ حليب الرضاعة البشريّ فوائد غذائية وغير غذائية فريدة تُغير من احتمال إصابة الرضيع بالأمراض في المستقبل؛ بل وتحصل تغيرات في جهازه المناعي. ويمكن تفسيرها جزئيًا بالمستوى فوق الجيني Epigenetics (شرحنا عنه في مقال سابق سنضع رابطه في التعليقات) ومن هذه الفوائد:

1). ينقص من إفراز الانترلوكين 8، وهذا له تأثير وقائي محتمل في تطور مرض التهاب معوي قولوني نخري.
2). يُشاهَد انخفاض في المستويات المصلية الكليّة للكوليسترول وLDL في البالغين الذين تلقوا رضاعة طبيعية في الصغر.
3). يساهم حليب الرضاعة في تطور النظام المناعي للطفل، وبرمجة النمط الظاهري لمناعته: حيث ثبت وجود تأثيرات مفيدة للرضاعة الطبيعية في الوقاية من الأخماج وأمراض المناعة الذاتية.
4). وجد تأثير وقائي للرضاعة الطبيعية من السمنة والأمراض الاستقلابية.

________________________________________________
#لكن، كيف هذا؟!
بحثنا ووجدنا دراسات متعددة تبحث في حليب الثدي، وهي دراسات اكتشفَتْ فيه أمورًا قد تكون السبب في حصول التأثير فوق الجيني:

1). اكتشف العلماء احتواء الحليب البشري على حويصلات دقيقة Microvesicles. هذه الحويصلات يمكن أن تنقل الإشارات الوراثية من المرضعة للرضيع، وعلاوة على ذلك يمكن، أن تؤدي رضاعة الوليد من مرضعة بحالة صحيّة جيدة إلى تصحيح دائم في التظاهرات السريرية للأمراض الوراثية؛ (بسبب انتقال النوع الطبيعي من الـ RNA عبر الحويصلات الدقيقة في حليب المرضعة للوليد، وحدوث التنسخ العكسي واندماجها في جينوم الوليد).

2). يحتوي الحليب البشري على miRNAs، ومن المعروف أنها تنظِّم الأنظمة المناعية المختلفة، وذلك يعطينا فائدتين هما:

* وجود طريقة أخرى لنقل المواد الوراثية كالـ miRNA من إنسان لآخر غير الطريق الجنسي.
* لحليب الثدي دور مهم في تطور الجهاز المناعي للرضيع: حيث اكتشفَ الباحثون وجود تعبير لـ miRNA في حليب الثدي، ووجود مستويات عالية من miRNA المرتبطة بالمناعة خلال الـ 6 أشهر الأولى من الإرضاع، والأهم من هذا أنها كانت ثابتة ومستقرة في الظروف الحمضية الشديدة، أي قد يكون حليب الثدي طريقًا لدخول الـ miRNA من المرأة لرضيعها. ولا تزال الآليات الحيثية لهذا الأمر قيد الدراسة.

3). قدرة الأمعاء على نقل الخلايا إلى داخل جسم الرضيع، أي يجب توسيع مفهوم أن الأمعاء مغلقة أمام الخلايا الحية؛ بل يمكن أن تكون مفتوحة أمام خلايا حليب الرضاعة؛ بما في ذلك الخلايا المناعية والجذعية والطلائعية. دُعمت هذه النظرية بالتالي:

* وجود أدلة وافرة على انتقال الخلايا المناعية من حليب الرضاعة إلى أنسجة حديثي الولادة في النماذج الحيوانية. حيث وجدت إحدى الدراسات -التي أجريت على الفئران- خلايا أمومية في دم الرضيع ودماغه، وتمايزت هذه الخلايا في الدماغ إلى خلايا عصبية وخلايا دبقية (طبعًا أثبتت الدراسة أن مصدر هذه الخلايا هو حليب الإرضاع).

* وجود بعض الأدلّة غير المباشرة في البشر، والتي تتوافق مع التغيرات المتواقتة التي تطال الخلايا المناعية في حليب الرضاعة، والنفوذية المعوية، ونضج الجهاز المناعي في وقت مبكر من الحياة عند المواليد ذوي الرضاعة الطبيعية (أي بيَّنت تواقت حصول هذه الأمور معًا).

أي أنه من المرجح أن الانتقال البيولوجي للخلايا المناعية الأمومية الفعالة و/أو الخلايا الجذعية/الطليعية من حليب الثدي يدعم نظام المناعة الوليدي النامي ويسهل تنظيمه.

4). وقد أجريت دراسة أخرى مشابهة على الأرانب: وجدتْ أن الخلايا الجذعية الموجود في حليب الثدي حصل لها انزراع في أعضاء النسل عند تناولها فمويًا، كما وجدت زيادة في وزن الأرانب الذين تغذوا منها، وشوهد أيضًا تكاثر هذه الخلايا الجذعية في بعض الأعضاء. ويُنتظر بحث هذا الأمر عند البشر.

________________________________________________
#أمر_آخر_عجيب:
عند نقل العضو من إنسان لآخر وزرعِهِ فيه نحرص على إجراء كثيرٍ من التحاليل لتقليل احتمال رفض العضو، وكذلك نختار الأفراد ذوي القرابة؛ لزيادة احتمال تشابه الجينات والأنسجة، فلا يتشكل رد فعل مناعي عند المريض يرفض العضو.

وقد تبين أنه عند زراعة عضو لشخص من امرأة كانت قد أرضعته وهو صغير؛ يُقَلل من احتمال رفض العضو. أما عن تفسير هذا، فقد ذكرتْ الدراسة أن ذلك نتيجة زيادة تحمُّل المتلقي للمستضدات الممنوحة من مرضعته تلك:

بمعنى آخر، وُجِدَت زيادة تحمل للعضو المزروع عند تلقي أحد الأشخاص عضوًا من مانحةٍ قد أرضعته سابقًا وهو رضيع، وقد دُعِمَتْ هذه النتيجة -بشكل غير مباشر- من خلال تحسُّن القبول لعمليات الزرع الأمومي للأفراد الذين أُرضِعوا وهم صغار.

🔶 مع الانتباه أنَّ هذه النتيجة مدعمة بشكل غير مباشر؛ أي لازالت تحتاج لدليل مباشر لإثباتها.

________________________________________________
#انتقال_آليات المستوى فوق الجيني المكتسبة بالرضاعة عبر الأجيال:
أي ما اكتسبتَهُ من المرضعة تورِّثُـهُ لأولادك:

وقد وُجِدَتْ إمكانية لانتقال تلك الآليات وراثيًا من الناحية الذاتية، وتدعى بالإرث التخلُّقي المنتقل عبر الأجيال (أي أن طريقة التعبير عن جين ما لدى فرد قابلة للانتقال وراثيًا لنَسلِه) وهذا يعني أيضًا أنَّ الأثر البيئي في جيل واحد قد يؤثر على النمط الظاهري لنسله.

🔶ملاحظة هامة:
حدد الباحثون النافذة الزمنية التي يكون فيها الفرد أكثر عُرضةً لهذه التأثيرات، وقالوا أنه من المحتمل أنها تمتد من فترة الرضاعة، وللسنة الثانية من حياة الطفل! أي لا يمكن إنشاء هذه القرابة إن كان متلقي الحليب قد أكمل تطوره. وقدّموا تفسيرات لهذه النظرية، منها: أن الجهاز المناعي للطفل لا يكون ناضجًا في تلك الفترة لرفض الخلايا الحية الأمومية، وأن جينوم الطفل ذو قابلية أكثر للتغير خلال فترة النمو المبكر، كما يكون جسم الطفل ذو مطاوعة أكثر خلال تلك الفترة.

🔷تعليق: رغم أن آلية عمل المواد الحية في جسم الطفل غير مفهومةٍ كليًّا،إلا أنّ المعرفَةَ الحالية تُشيرُ أنها تغزو جسم الطفل، وتؤثر فيه، وأنها قابلة للتوريث والسابق كله يدعم الفرضية التي قامت عليها الدراسة، ولكن لا تؤكدها فالأمر كالسابق يحتاج المزيد من الدراسة لمعرفة الآليات الحيثية.

________________________________________________
#مختصر ما جاء:

🔶مع وجود العديد من الدراسات الداعمة لفوائد حليب الثدي، ودوره الأكبر من كونه غذاءً للطفل؛ فهو يوفر العديد من العناصر الغذائية المهمّة، وكما تبيّن أنه يوفر العديد من المواد الوراثية والخلايا الحية التي تعبر إلى الطفل وتؤثر فيه على المستوى فوق الجيني، فتؤثر على صفات ذلك الطفل! بل وربما تنتقل لنسلِ ذلك الرضيع مستقبلًا، كما تؤثر في الجهاز المناعي للطفل، وكل تلك التأثيرات تنتظر مزيدًا من الدراسات.

حفظ الله لكم أطفالكم، وجعلهم قرة عينٍ لكم في الدنيا والآخرة،
من الصالحين المؤثرين في هذه الأمة.🌹

مقالنا السابق عن علم المستوى فوق الجيني:
‏https://bit.ly/35oF39o

مقالنا السابق عن فوائد الرضاعة الطبيعية:
‏https://bit.ly/2KU5wlR

قائمة المصادر:
‏1- https://bit.ly/2Svign0
‏2- https://bit.ly/3fl5MbB
‏3- https://bit.ly/2SwUGGy
‏4- https://bit.ly/2VZ2YsY
‏5- https://bit.ly/3bYORtf
‏6- https://bit.ly/2WhPw2a
‏7- https://bit.ly/2SLS5sz
‏8- https://bit.ly/35pOkhe
‏9- https://bit.ly/3b5hrrG



تحميل المقال كـ PDF عبر باتريون

التعليقات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن




المساهمون في الإعداد