×


الشذوذ الجنسي في الحيوانات بين وهم الدليل وفساد الاستدلال!




الشذوذ الجنسي في الحيوانات بين وهم الدليل وفساد الاستدلال!

ما زال مروجو الشذوذ الجنسي يحاولون جاهدين تبرير هذا السلوك المشين بدءاً من وصفه «بالمثلية الجنسية» لتقليل وطأة المصطلح الحقيقي المعبر عن هذا الفعل وجعل الجمهور يتقبلها وكأنها شيء طبيعي وعادي، مروراً بإلقاء سبب ذلك على عاتق الجينات؛ فمرة تراهم يلجؤون إلى أن اكتساب هذا السلوك يعود إلى النشأة بين عائلة لها الميول نفسها، إلى أن وصلوا للحيوانات لتبرير ذلك بأي شكل من الأشكال، فادعوا أن رصد السلوك الشاذ في الحيوانات يدعم ميولهم وأن ذلك أمر طبيعي منطلقين من التصورات التطورية: أن الإنسان ما هو إلا حيوان لكن على قمة السلم التطوري. فهل هذه الادعاءات صحيحة كما يزعمون؟ وماذا يقول العلم التجريبي في هذا الشأن؟
بينت العديد من الدراسات العلمية التي أجريت على الحيوانات التي يشتبه وجود سلوك جنسي شاذ فيها، أن تلك السلوكيات تكون دوافعها الرئيسة بعيدةً عن الغريزة التكاثرية وأهدافها لا تجري كما يشتهي بعضهم، وأسباب بعضها عبارة عن اضطرابات، وإليك بعض التفسيرات لهذا السلوك كما بينت الملاحظات والدراسات:
1. قلة عدد الذكور: حيث بينت دراسة [1] نشرت في مجلة الجمعية الملكية (The Royal Society) أن إناث طائر القرطس (Laysan albatross) تدخل في علاقة شذوذ جنسي عند قلة وجود الذكور وأن هذه الطيور ليست شاذةً جنسياً بالفطرة، ففي جزيرة أوهاي (Oahu) توجد الإناث بشكل فائض نتيجة الهجرة، لذلك فإن عدد الذكور قليل لأجل التزاوج ومن ثم تلجأ إلى ذلك السلوك، ومن المؤكد أن هذا السلوك نادر عندما يكون معدل نوع الجنس متكافئاً، بعبارة أخرى فإن الإناث لن تلجأ لتلك الممارسة إذا ما وجدت ذكوراً حولها [2].
وفي دراسة حديثة أجريت على مجموعات من القرود الذهبية أفطسية الأنف (Rhinopithecus (roxellana خلصت إلى أن عدم توفر فرص للذكور لأجل التزاوج يعد السبب وراء دخولها في نشاط جنسي شاذ، كما لاحظ الباحثون أن الهيمنة كانت غالبةً في ممارسة هذا الشذوذ بين أوْلئك الأفراد أي أن الذكور الأكبر عمراً كانت تمارس الجنس على من دونها من الذكور من أجل فرض الهيمنة على الأفراد [3].
2. مواد كيميائية: في دراسة نُشرت في المجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) لاحظ الباحثون أن مادة الأترازين (Atrazine) – مادة تدخل في تركيبة المبيدات الزراعية الأكثر تلويثاً للتربة والمياه- تعمل على جعل ذكور القيطم الإفريقي (أحد أنواع الضفادع) تتصرف كإناث عبر إحداث خلل في جهازها الهرموني، وقد لوحظ دخول تلك الذكور في ممارسة الجنس مع ذكور أخرى وكأنها تمارس الشذوذ الجنسي [4]، إضافة الى الكثير من المضاعفات الصحية الأخرى الناتجة عن هذه الملوثات الكيميائية (فيديو توضيحي [5]).
كما أظهرت دراسة أخرى نشرتها مجلة نيتشر (Nature) أن التعرض للزئبق قد سبب الشذوذ الجنسي لدى فصيلة من الطيور تدعى أبو منجليات (ibises) نتيجة لحصول تلوث بيئي لوجود مركب مثيل الزئبق؛ إذ بينت الدراسة أن زيادة التعرض للزئبق خلال التجربة قد زاد السلوك الشاذ لدى هذه الطيور. يذكر أن مستوى هذا المركب المستخدم في البحث كان مطابقاً لما هو موجود في بيئتها الملوثة [19].

  1. النظام الغذائي: بينت دراسة أن تناول طعام يحتوي على جميع الأحماض الأمينية باستثناء الحمض الأميني التربتوفان سبب نقصاً واضحاً في هرمون السيروتونين الذي ينتجه الجسم وأيضا التربتوفان و حمض 5هيدروكسياندولياستيك (Indoleacetic acid) في الفئران والأرانب، كما لوحظ وجود سلوك جنسي شاذ عند الذكور في كلا النوعين والذي يتزامن مع الانخفاض الحاد في مستوى السيروتونين [6].
  2. عدم تحديد الجنس: فسرت دراسة [7] غريبة من نوعها نُشِرت في المجلة اليابانية لعلم الطيور أن ذكور أحد أنواع الطيور التي تدعى سنونو الرمل (Sand Martin) قد لوحظت وهي تمارس الشذوذ الجنسي مع ذكر من النوع نفسه، لكن العجيب في الأمر أن الذكر الذي يبدو أنه قد حدثت معه الممارسة الشاذة كان ميتاً، وقد فسر الباحثون ذلك أن الذكر الميت كان في وضعية مشابهة للتي تظهر بها إناث هذا الطائر عند ممارسة الجنس مع الذكور، وأن الطائر الذي مارس ذلك السلوك الشاذ كان لديه خطأ في تحديد نوع الجنس لا أكثر، بمعنى أدق أنه ربما قد مارس السلوك الشاذ ظناً منه أن هنالك أنثى في وضعية التزاوج لكن لا يتعدى الأمر كونه خطأً.
    كما لوحظ الأمر نفسه عند ذكور الضفدع الافريقي (Common toad) إذ تدخل ذكور هذه الضفادع في ممارسة جنسية شاذة بسبب عدم القدرة على تمييز الذكر من الأنثى عند هذه البرمائيات- حسب ما جاء في تقرير [8] نشره موقع (New scientist).
  3. من أجل الطعام والسلوك العدائي: في مقال نشر في مجلة (Scientific American) كتبه الدكتور فرانسيس دي وال عالم الرئيسات من جامعة إيموري في ولاية جورجيا يفسر أسباب السلوك الشاذ عند البونوبو (Bonobo) بعد دراساته المستفيضة عليه، أنه سلوك يحدث عند المنافسة على الطعام ويعزوها كذلك إلى أسباب عدائية تحدث بين ذكرين للمنافسة على الأنثى [9].
  4. تأثير السجين: في دراسة أجريت على ذكور عصافير المنزل (Carpodacus mexicanus) وُجد أن عزل ذكور هذا الطائر عن الإناث في موسم التناسل قد حث تلك الذكور على الدخول في ممارسة جنسية شاذة فيما بينها وهو ما دعاه الباحثون تأثير السجين (Prisoner Effect) ويعني أنه إذا تم إبقاء أو عزل مجموعة من الجنس نفسه فإن هذه الأفراد سوف تختار التزاوج من أفراد الجنس نفسه [10].
    وهنا يجب أن نضع توضيحاً لكي يكون فيصلاً، فمهما تكن الأسباب التي تؤدي إلى السلوك الشاذ في الحيوانات فكما يعرف دارسو علم الأحياء الحيوانية، أن الحيوانات تسير ضمن سلوكيات معينة وتنتج تلك السلوكيات من جملة الوظائف الحيوية التي تحصل في الكائن وتقوم بها هذه الكائنات فإذا ما اختلت تلك الوظائف فإن تلك السلوكيات ستظهر شذوذاً عن المعتاد وهذا ما نراه في الأمثلة أعلاه وهلم جراً. ونرى من الأمثلة أعلاه أن هذه الدراسات والبحوث كانت رصدية وأخرى تجريبية فلا يمكننا إخفاء ثقلها في توضيح أسباب ودوافع الشذوذ الجنسي في الحيوانات.
    ويجدر بنا أن نبين كذلك فساد المقارنة بين ربط السلوكيات الجنسية الشاذة في الحيوانات بالشذوذ الجنسي في الإنسان. فهل يعقل أن نقارن كل سلوك يحصل في الحيوانات مع الإنسان وأن نطبق ذلك علينا؟ ولنفترض أننا قمنا بذلك فهذا يعني أننا سنبيح أكل لحوم البشر مثلاً؟ كما تأكل بعض الحيوانات كائنات من نوعها نفسه كما لوحظ في الدببة وفي حيوان الهامستر وفي الدجاج حيث تأكل الأم صغارها، أو أن نبرر أكل الزوجة لزوجها كما تفعل العناكب حيث تأكل الأنثى زوجها بعد ممارسة الجنس معه ونبرر قتل الرجال لأبناء غيرهم فالأسود تقتل صغار غيرها بصدد التزاوج بأمهاتها [11]. فهل هذا القياس منطقي؟
    لنر رأي المتخصصين في جعل السلوك الشاذ في الحيوانات معياراً للميول الجنسية الشاذة عند الإنسان، ربما أدرك الكثير من العلماء حجم الورطة المترتبة على عمل مقارنات بين السلوك الشاذ في الحيوانات وبين الشذوذ الجنسي عند البشر؛ لأن العديد من الدراسات تظهر أن هناك اضطرابات مرتبطة في عدة جوانب في تفسير السلوك الجنسي الشاذ في الحيوانات وهذا ما لا يريده مؤيدو الشذوذ الجنسي؛ لأجل حفظ كرامة الشواذ جنسياً ومنعاً من اضطهادهم.
    يقول بول فيزي وهو أستاذ مشارك في علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة ليثبريدج في كندا: «بالنسبة لبعض الناس، فإن ما تفعله الحيوانات يعد مقياساً يُعتمد لما هو طبيعي وغير طبيعي، فهم يحدثون قفزة بالقول أنه اذا كان الأمر طبيعياً (أي في الحيوانات) فإنه مرغوب فيه أخلاقياً ومعنوياً» لكنه يضيف: «قتل الصغار منتشر في مملكة الحيوانات، والقفز بالقول أنه أمر مرغوب فيه فهذا أمر لا معنى له، لا نحتاج أن نستخدم الحيوانات لصياغة السياسات الأخلاقية والاجتماعية لأنواع المجتمعات البشرية التي نعيش فيها» [12].

وفي السياق نفسه أشار تقرير في مجلة نيتشر ذكرت فيه عالمة الأحياء ليندسي يونغ حول دراسة السلوك الشاذ في طائر القطرس: «السحاقيات مصطلح للإنسان والدراسة حول طائر القطرس لا الإنسان» وهنا تبين أن المصطلحات الجنسية التي تستخدم عند البشر تختلف عن المصطلحات التي توصف بها السلوكيات الجنسية الشاذة عند الحيوانات وعندما سُئلت: «ماذا تقول دراستك حول سلوك الإنسان؟» أجابت باقتباس وحيد: «أنا لا أجيب عن هذا السؤال!» وهنا توضح أن دراستها أجريت على الحيوان وليس على الإنسان ولا تملك جواباً لإعطاء مقارنة بين الإنسان والحيوان في مثل هذه السلوكيات [13].
ويذكر مقال آخر في المجلة نفسها التعقيب على استخدام المقارنات بين السلوك الشاذ في الخراف وبين الإنسان، ويوضح أن المشكلة ليست في استخدام المصطلحات الجنسية في الحياة الحيوانية لكن في تأثير الورقة البحثية لجعل الأمر موضوعاً سياسياً، وبالطبع كلنا يعرف صدى الأوراق التي تظهر حدوث اضطرابات ينتج عنها السلوك الشاذ في الحيوانات وإذا كان كذلك فيمكن اعتباره- أي الشذوذ- مرضاً ويمكن علاجه وهو ما يزعج بالطبع المنظمات المدافعة عن الشذوذ الجنسي في الإنسان [14].
وعلق البروفيسور غريج بيكر من جامعة مينيسوتا- وهو أحد أفضل خبراء العالم في مجال الأسود الإفريقية- تعقيباً على صور الأسود التي نشرتها مجلة ناشيونال جيوغرافيك وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي على أنها ممارسة جنسية شاذة بين الأسود والادعاء أنه أمر طبيعي إذ قال: «أنا اعتقد أننا يجب ألّا ننظر إلى الحيوانات لإيجاد مُسوِّغٍ لما يفعله الإنسان. إن البيولوجيا الخاصة بنا أكثر تعقيداً بكثير» وهنا تعليق واضح منه على السخافات التي تطلقها المواقع التي تدعي العلم وتبسيطه، وبالطبع ليست البيولوجيا فقط ما هو أكثر تعقيداً فحتى التفكير الذي نملكه أكثر تعقيداً من أي كائن آخر [15].
وبالرجوع إلى دراسة الدكتور فيثرستون التي أجراها على ذبابة الفاكهة يذكر أنه واجه انتقادات حول دراسته تلك، وتلقى سيلاً من المكالمات الهاتفية والرسائل على البريد الإلكتروني، والتي اتهمته أنه يحاول تطويع ملاحظته تلك على ذكور ذبابة الفاكهة، وأنه يريد استخدامها لتحويل التوجهات الجنسية للناس، وتقديم دواء لمعالجة الشذوذ الجنسي، ويبدو أن الشخص بعيد كل البعد عن هذا الأمر، كما صرح: «لك أن تتخيل: ماذا سيحدث لك إن تجرأت على البحث عن علاج للشذوذ الجنسي!» [16].

الشذوذ الجنسي والتطور:
إذا تنازلنا جدلاً وسلمنا بما تقوله نظرية التطور، فسنجد تناقضاً بين ما تقوله وما يدعيه بعضهم أن الشذوذ شيء طبيعي، لكن أين التناقض؟ من جملة الفرضيات الأساسية في نظرية التطور أن الكائنات الحية الأصلح للظروف البيئية هي التي تقدر على النجاة وتمرير جيناتها للأجيال اللاحقة، وعلى فرض صحة وجود جينات الشذوذ الجنسي فإن حامليها لن ينجوا لأنهم غير قادرين على تمرير جيناتهم؛ إذ كتب البروفيسور ميرون بارون في المجلة البريطانية الطبية (BMJ): «من منظور تطوري، فإن حتمية الشذوذ الجنسي وراثياً كانت ستؤدي إلى الانقراض منذ فترة طويلة لانخفاض التكاثر». وهنا يذكر ميرون افتراض صحة علاقة الجينات بالشذوذ الجنسي جدلاً بالطبع [17].
كما يصرح بول فيزي لمجلة (Scientific American) حول دراسته ذلك السلوك عند إناث قرود المكاك: «إن السلوك الجنسي بين نوع الجنس نفسه لا يبدو أنه يملك أي ميزات تطورية، وهذا ما لا ينسجم مع ما يريد بعض الناس التفكير به، ولكن يختم أنه لا يمكنك فرض توجهاتك على الحيوانات التي تدرسها؛ حاول أن تفهم العالم بشروطه الخاصة!» (18).
وإلى ذلك الحين الذي سيجد فيه الشاذ جنسياً مسوِّغاً لسلوكه في الجينات أو عند الحيوانات، فليتمتع بكمية الأمراض الجنسية التي سيحملها وليبقَ بعيداً عن الأصحاء!



تحميل المقال كـ PDF عبر باتريون

التعليقات

1
اترك تعليق

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
حسن Recent comment authors
  Subscribe  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
حسن
ضيف
حسن

موضوع مهم جدا و به معلومات جد قيمة
شكرا

 




المساهمون في الإعداد