ترسانةُ أسلحةِ جراثيمِ MRSA أكثر تعقيدًا من الأسلحةِ البشريّة
 




 

قد تَبدو البكتيريا كائناتٍ بسيطةً للغاية. فهي في النهايةِ كائناتٌ وحيدةُ الخليّة، كما أنها تُصنَّف من بدائياتِ النوى. وهي موجودةٌ على الكرةِ الأرضيَّة قبل الكائناتِ متعددةِ الخلايا. قد يَظنُّ البعضُ أنَّها كتلةٌ هلاميّةٌ ملوّثةٌ فقط. لكن يبدو أنّها أكثرُ تعقيدًا من هذا بكثير. فهي إلى جانبِ كونِها لها نظامٌ وشيفرةٌ للتعاملِ مع المغذياتِ والتكاثرِ والتضاعفِ فلديها منظوماتٌ دفاعيّةٌ وهجوميّةٌ معقّدةٌ لتحافظَ على وجودِها وتوسُّعِها. فجَسدُ الإنسانِ معقّدٌ للغاية، في كلِّ شيءٍ هنالكَ آلياتٌ وأقفالٌ نوعيّةٌ على العضويّةِ التي تَدخلُ فُتَحَها، وتفعيلُها بالمفتاحِ لتتمكَّن من النجاةِ داخلَ هذه الرقابةِ والتعقيدِ. فما هيَ تلكَ الأسلحةُ؟

لنتحدَّث عن أحدِ أشهرِ تلك الجراثيمِ، وأكثرِ الأعداءِ اللَّدودِين للبشريةِ، التي أتعبتِ البشريةَ في تاريخِ الصراعِ بين الجراثيمِ والبَشَر، وأنهكتهم بما تحمِلهُ من أسلحةٍ، حتَّى أنَّك تَجِدُها لوقاحتِها في المراكزِ الصحيَّة، فتُعرفُ بتكاثُرها على بعضِ تلك المعدَّاتِ. ألا وهيَ المكوراتُ العنقوديّةُ المذهّبةُ المقاومةُ للميثيسيلين، وتُسمى اختصارًا بـ MRSA (سنسميها هنا مارسا)

تتضمن أسلحتها:

1- بروتين PVL: وهي ذِيفاناتٌ خارجيّةٌ (تُصنِّعها داخلَها وتعملُ خارجَها)، وظيفتُها محاربةُ جهازِنا المناعيّ عند نشوبِ قتالٍ بينهما، فتقومُ بتشكيلِ فَتحاتٍ في أغشيةِ الكريَّات الحبيبيةِ البيضاءِ مؤدّيةً إلى تحلُّلِها وموتِها.

2- الذيفان ألفا α toxin: وهي في عملها تشبهٌ تمامًا آلية بروتين PVL لكنَّها تهاجمُ الكرياتِ البيضاءَ البلعميّةَ واللمفاويةَ بالإضافةِ إلى الصفائحِ الدمويّة.

لمَ لا يقوم نفسُ السلاحِ بمهاجمةِ الاثنين؟ ببساطةٍ لأنَّها أسلحةٌ معقّدةٌ قليلًا، ليست أسلحةً انفجاريّة، بل تملكُ مثل الكود (مفتاح نوعي) لتعملَ على الخليّةِ المُرادِ تدميرُها، فلا تؤذي بذلكَ باقي الجراثيمِ.

3- ذيفانات PSM: وهي قادرةٌ على مهاجمةِ وتحليل كرياتِ الدم البيضاء المعتدلة (كما تعلم يمتلكُ جهازنا المناعيُّ عددًا متنوّعًا من الجنودِ للدفاعِ عن الجسمِ، منها الخلايا البلعميّةُ واللمفاويّةُ والمُعتَدِلةُ وغيرُها)

4- إِنزيمُ البنسيليناز penicillinase: وهذا الإِنزيم يقوم بتدميرِ جزيئةِ الصادِّ الحيويِّ الأشهرِ المستخدمِ لمحاربةِ هذه الجراثيمِ، ألا وهو البنسلين وكثيرٌ من مشتقّاته.

5- إنزيم الليباز lipase: وظيفتهُ الأساسيّةُ تحليلُ الدُّهونِ، لكن بذلكَ يساهمُ في وظائفَ متعددةٍ متنوعةٍ تستفيدُ منها الجرثومة، منها تجنُّب الجهازِ المناعيّ.

6- إنزيم hyaluronate lyase: وهو إنزيمٌ يملك القدرةَ على تحطيمِ حمضِ الهيالورونيك الذي يُعدُّ المكوِّن الأساسيَّ للأنسجةِ الضامّةِ في الجِسم.

7- إنزيم staphylokinase: الذي يرتبطُ ببروتين البلازمينوجين المحلِّلِ للخثراتِ فيُفعِّله، وبالتالي يساهمُ في تعمُّقِ البكتيريا داخلَ الأنسجة.

8- إنزيم nuclease: وله وظيفةٌ نوعيّةٌ في شطرِ الحمضِ النوويِّ، وتستخدمهُ الجرثومةُ لأدوارٍ متعدّدةٍ، منها تنظيمُ تشكُّلِ التَّجمعاتِ الحيويّة biofilms.

9- إنزيم Aureolysin وهو إنزيمٌ يقومُ بتثبيطِ تنشيطِ الكرياتِ البيضاءِ بالإضافةِ إلى تفكيكِ الببتيداتِ المقاومةِ للجراثيمِ التي يُصنِّعها الجسم.

10- المستضداتُ الفوقيّةُ التائيّةُ T cell super antigens: وهي بروتيناتٌ تُصنِّعها البكتيريا لتحفيزِ الخلايا التائيةِ المناعيّةِ للإنسانِ بصورةٍ غيرِ طبيعيةّ (تخيل هذا، يستثيرونَ أعدائهم 🙂 )، مسبِّبةً هبوطَ ضغطٍ حادٍّ و ارتفاعًا شديدًا في الحرارةِ مؤدِّيةً للوفاةِ وأشهرُها ذيفانُ متلازمةِ الصدمةِ السامَّةِ (سلاحٌ تدميريٌّ قد يودي بحياةِ المريضِ)

11- المستضداتُ الفوقيةُ البائيةُ B cell super antigens وهي بروتيناتٌ تَعملُ على منعِ الخلايا البائيةِ من تكوينِ الأضدادِ النوعيةِ للمارسا.

12- على أثرِ المقولةِ الشهيرةِ (مُتحدِّين نَقِفُ متفرِّقينَ نسقطُ) تقوم المارسا بتكوينِ تجمعاتٍ حيويةٍ biofilms بحيثُ تصبحُ منيعةِ الاختراقِ من قِبل المضاداتِ الحيويّةِ وبالتالي يصعبُ القضاءُ عليها.

13- لسنا وحدَنا أعداءَ المارسا، بل حتَّى السلالاتُ البكتيريةُ الأخرى عرضةٌ هي الأُخرى لهجومٍ شرسٍ من المارسا عن طريق تصنيعِها لمبيداتٍ جرثوميةٍ bacteriocin تمنعُ نمو أيِّ أنواعٍ بكتيريةٍ أُخرى بالقربِ منها.

على الرغمُ من أن بقاءَ البكتيريا الممرضةِ يعتمدُ على تطفُّلها على أجسادِ الكائناتِ الأخرى إلَّا أنَّه لا يَسعُنا إلَّا أن نقف عاجزين أمامَ عَظَمةِ الله وسعةِ عِلمه، كيفَ زرعَ في هذه الكائناتِ المجهريةِ سُبُلَ عيشها وبقائِها المعقّدة، فوضعَ فيها مصانعَ لتصنيعِ أسلحةِ تتناسبُ بِدقَّةٍ (تناسبُ القفل مع المفتاح) فيما تقومُ به، وله في خلقِها حِكَمٌ، وكيفَ يعلِّمنا نحن البشرَ أن العَظَمةِ والكثيرُ من الأسرارِ قد تختبِئُ في ما نستصغرهُ.

فهي تقاومُ العديدَ من المضاداتِ الحيويةِ، مُسبِّبةً أمراضًا كالالتهابِ الرئويِّ الحادِّ وتسمُّم الدمِ وإنتاناتِ الجلدِ الحادِّة بالإضافةِ إلى تكاثرِها الكثيفُ على الأجهزةِ الطبيَّةِ في المراكزِ الصحيَّةِ.

إعداد : زينة طافش
مراجعة علمية: ألمى تمّور
مراجعة لغويّة: علي جلغوت

0 0 votes
Article Rating




التعليقات
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments



bnr

bnr bnr


0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x