×


جائزة نوبل فى الإقتصاد لعام 2020




ذهبت جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2020 لكل من روبرت ويلسون وبول ميلغروم، للتحسينات التي أدخلاها على نظرية المزادات. المزادات! ولكنها أمر بسيط، فما هي إلا عرض شيء للبيع، ومن يقدم أعلى سعر يحصل على الشيء المعروض، فما الداعي لحصولهما على جائزة نوبل لأمر كهذا؟
لفهم مساهمة الفائزين سنضع مجموعة من الأسئلة التمهيدية تسهل قراءة المقال وفهمه:
ما العوامل التي تتوقف عليها نتيجة المزاد؟ هل للمزادات أشكال أخرى غير المزاد الذي نعرفه؟ كيف يُقيَّم العنصر المعروض في المزاد من قبل المشاركين؟
تعتمد نتيجة المزاد على ثلاثة عوامل: شكل المزاد، العنصر المعروض للمزاد، حالة عدم اليقين من قيمة العنصر المعروض.
فبالنسبة للعامل الأول -شكل المزاد- يمكن طرح الأسئلة الآتية: أعلنيةٌ هي المبالغ المعروضة أم سرية؟ كم مرة يمكن للمشاركين المزايدة في المزاد؟ ما السعر الذي يدفعه الفائز، أعلى عرض أم ثاني أعلى عرض؟
أما بالنسبة للعامل الثاني الذي يتعلق بالعنصر المعروض في المزاد، أله قيمة مختلفة لكل مزايد أم إن جميع المشاركين يقيمون هذا العنصر بنفس الطريقة؟
أما العامل الثالث الذي يتعلق بعدم اليقين. فيبحث في المعلومات التي يمتلكها مقدمو العروض المختلفون حول قيمة العنصر.
باستخدام نظرية المزادات، من الممكن شرح كيفية تحكم هذه العوامل الثلاثة بالسلوك الاستراتيجي لمقدمي العروض، ومن ثَمّ نتيجة المزاد. يمكن أن توضح النظرية أيضًا كيفية تصميم مزاد يخلق أكبر قدر ممكن من القيمة، ومن ثم تحصيل أكبر مبلغ ممكن. تكون كلتا المهمتين صعبة بشكل خاص عندما تُباع عدة عناصر أو أشياء مرتبطة بالمزاد في الوقت نفسه. لقد جعل الحائزون على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لهذا العام نظريةَ المزاد أسهل تطبيقًا في الممارسة، وذلك بإنشاء أشكال جديدة مخصصة للمزاد.
أشكال المزادات المختلفة:
عادة ما تبيع دور المزادات في جميع أنحاء العالم أشياء فردية باستخدام المزاد الإنكليزي. وهو الشكل الشائع الذي نعرفه كلنا، إذ يبدأ البائع المزاد بسعر منخفض، ويقترح لاحقًا أسعارًا أعلى بشكل متزايد. يمكن للمشاركين رؤية جميع المبالغ المعروضة واختيار ما إذا كانوا يريدون تقديم عرض أعلى، من يقدم أعلى عرض يربح المزاد ويدفع ما قدمه. لكن المزادات الأخرى لها قواعد مختلفة تمامًا، فالمزاد الهولندي يبدأ بسعر مرتفع، ثم يُخفّض تدريجيًّا حتى تُباع القطعة.
كل من المزادات الإنجليزية والهولندية له عروض أسعار علنية، لذلك يرى جميع المشاركين عروض الآخرين، في أنواع أخرى من المزادات تُغلَق العروض. في المشتريات ذات الطابع العام أو الحكومي، غالبًا ما يضع مقدمو العروض عروضهم في ظروف مختومة، ويختار المشتري -الذي هو الدولة- المورد الذي يلتزم بأداء الخدمة بأقل سعر، شريطة استيفاء متطلبات الجودة المحددة. في بعض المزادات، يكون السعر النهائي هو أعلى عرض (مزادات السعر الأول)، ولكن في أشكال أخرى، يدفع الفائز ثاني أعلى عرض (مزادات السعر الثاني).
ولكن ما أفضل شكل للمزاد؟ هذا لا يعتمد فقط على النتيجة، بل أيضًا على ما نعنيه بكلمة »الأفضل«. عادة ما يهتم البائعون الذين يبيعون لحسابهم الخاص بالحصول على أعلى سعر. ولكن عندما تكون الدولة هي من يبيع فإن لها أهدافًا أوسع، كالبضائع التي تُباع لمقدم العطاء والتي تحقق أكبر فائدة على المدى الطويل للمجتمع برمّته. إن البحث عن أفضل مزاد مشكلة صعبة شغلت الاقتصاديين لفترة طويلة.
تكمن الصعوبة في تحليل المزاد في أن أفضل استراتيجية لمقدم العرض تعتمد على اعتقاده في كيفية تقديم المشاركين الآخرين لعروضهم في المزاد. هل يعتقد بعض المزايدين أن الشيء يستحق أكثر أو أقل من الآخرين؟ هل تعكس هذه التقييمات المختلفة بعض مقدمي العروض الذين لديهم معلومات أفضل عن خصائص السلع وقيمتها؟ هل يمكن لمقدمي العروض التعاون والتلاعب بالمزاد لإبقاء السعر النهائي منخفضًا؟
عند تقييم الشيء المعروض في المزاد يُنظَر في قيمتين، قيمة خاصة يضعها كل مزايد، وقيمة مشتركة عند كل المزايدين.
القيمة الخاصة:
أسس ويليام فيكري، الحائز على جائزة نوبل لعام 1996 في العلوم الاقتصادية، نظرية المزاد في أوائل الستينيات.
لقد حلّل حالة خاصة، حيث يكون لمقدمي العروض قيمًا خاصة للسلعة أو الخدمة التي تُباع بالمزاد العلني. هذا يعني أن قيم مقدمي العروض مستقلة تمامًا عن بعضها البعض، على سبيل المثال، قد يكون هذا مزادًا خيريًا لتناول العشاء مع أحد المشاهير. إن المبلغ الذي ترغب في دفعه مقابل مثل هذا العشاء أمر شخصي، لا يتأثر تقييمك الخاص بكيفية تقييم مقدمي العروض الآخرين للعشاء. فكيف يمكنك المزايدة في هذا النوع من المزاد؟ لا يجب أن تعرض أكثر مما يستحقه العشاء بالنسبة إليك، ولكن هل يجب عليك تقديم عرض أقل، وربما الحصول على العشاء بسعر أقل؟
أظهر فيكري أن أشهر أشكال المزادات -مثل الإنجليزية والهولندية- تعطي نفس الإيرادات المتوقعة للبائع، بشرط أن يكون جميع المزايدين عقلانيين ومحايدين تجاه المخاطرة.
القيمة المشتركة:
القيم الخاصة بالكامل هي حالة شاذة، معظم أشياء المزاد -مثل الأوراق المالية وحقوق الملكية وحقوق استخراج الثروات الباطنية- لها قيمة مشتركة كبيرة، مما يعني أن جزءًا من القيمة يتساوى عند جميع المزايدين المحتملين. من الناحية العملية، يمتلك مقدمو العروض أيضًا كميات مختلفة من المعلومات الخاصة حول خصائص الشيء المعروض.
لنأخذ مثالًا ملموسًا، تخيل أنك تاجر ألماس، وأنك -وكذلك بعض التجار الآخرين- تفكر في مزايدة على ألماس خام، حتى تتمكن من إنتاج قطع الماس وبيعها.
إن استعدادك للدفع يعتمد فقط على قيمة إعادة بيع قطع الألماس، والتي بدورها تعتمد على عددها وجودتها. لدى التجار المختلفين آراء مختلفة حول هذه القيمة المشتركة، اعتمادًا على خبراتهم والوقت الذي قضوه في فحص الألماس. يمكنك تقييم القيمة بشكل أفضل إذا أمكنك الوصول إلى تقديرات جميع المزايدين الآخرين، لكن كل مقدم عرض يفضل الحفاظ على سرية معلوماته.
المزايدون في المزادات ذات القيم المشتركة يخاطرون بحصول المشاركين الآخرين على معلومات أفضل حول القيمة الحقيقية. وهذا يؤدي إلى الظاهرة المعروفة المتمثلة في انخفاض العروض في المزادات الحقيقية، والتي تُعرف باسم لعنة الفائز. لنفترض أنك ربحت مزاد الألماس الخام. هذا يعني أن مقدمي العروض الآخرين يقدرون الألماس أقل مما تقدره أنت، لذلك قد تتكبد خسارة في هذه المعاملة! فلعنة الفائز تعني باختصار أن الشخص الذي ربح المزاد قد قدم عرضًا يفوق القيمة الحقيقية للشيء المعروض.
‏كان روبرت ويلسون أول من وضع إطار عمل لتحليل المزادات ذات القيم المشتركة، ووصف كيفية تصرف مقدمي العروض في مثل هذه الظروف.
في ثلاث أوراق بحثية كلاسيكية من الستينيات والسبعينيات، وصف استراتيجية العرض الأمثل لمزاد السعر الأول عندما تكون القيمة الحقيقية غير مؤكدة. سيقدم المشاركون عروض أسعار أقل من القيمة الحقيقية التي قدروها، لتجنب إبرام صفقة سيئة تصيبهم بلعنة الفائز. يُظهر تحليله أيضًا أنه مع وجود قدر أكبر من عدم اليقين، سيكون مقدمو العروض أكثر حذرًا، وسيكون السعر النهائي أقل. أخيرًا، يوضح ويلسون أن المشكلات التي تسببها لعنة الفائز تكون أكبر عندما يكون لدى بعض مقدمي العروض معلومات أفضل من غيرهم، فيكونون على استعداد لأن يقدموا عرضًا مساويًا للقيمة الحقيقة فقط. أولئك الذين هم في وضع لا يؤهلهم للحصول على معلومات أكثر سيقدمون بعد ذلك عروضًا أقل أو يمتنعون تمامًا عن المشاركة في المزاد.
عندما تجتمع القيمة الخاصة والمشتركة:
في معظم المزادات، يكون لمقدمي العروض قيمًا خاصة ومشتركة. لنفترض أنك تفكر في تقديم عرض في مزاد لشراء شقة أو منزل؛ تعتمد رغبتك في الدفع بعد ذلك على القيمة الخاصة بك (مقدار تقديرك لحالة المنزل ومخطط البناء والموقع) وتقديرك للقيمة المشتركة (المبلغ الذي قد تحصل عليه عند بيع هذا المنزل في المستقبل). تهتم شركة الطاقة التي تتنافس على حق استخراج الغاز الطبيعي بحجم الغاز (قيمة مشتركة) وتكلفة استخراج الغاز (قيمة خاصة، حيث تعتمد التكلفة على التكنولوجيا المتاحة للشركة ). يراعي البنك الذي يقدم عروضًا للحصول على سندات حكومية سعر الفائدة السوقي المستقبلي (قيمة مشتركة) وعدد عملائه الذين يرغبون في شراء السندات (قيمة خاصة). تبين أن تحليل العروض في المزادات ذات القيم الخاصة والعامة يمثل مشكلة أعقد من الحالات الخاصة التي حللها فيكري وويلسون. الشخص الذي فكك هذه المشكلة هو بول ميلغروم.
تضمن تحليل ميلغروم رؤى جديدة ومهمة حول المزادات، يتعلق أحد هذه الأمور بمدى جودة تعامل أشكال المزادات المختلفة مع مشكلة لعنة الفائز. في المزاد الإنكليزي، يبدأ البائع بالمزاد بسعر منخفض ويرفعه. لذا، يحصل مقدمو العروض الذين يراقبون السعر الذي يقف عنده مقدمو العروض الآخرون على معلومات حول تقييماتهم، ونظرًا لأن مقدمي العروض الباقين لديهم معلومات أكثر مما كانت عليه في بداية المزاد، فهم يصبحون أقل عرضة لتقديم عروض أقل من قيمتها المقدرة. من ناحية أخرى، فإن المزاد الهولندي، حيث يبدأ البائع بالمزاد بسعر مرتفع ويخفضه حتى يرغب شخص ما في شراء الشيء، لا ينتج عنه أية معلومات جديدة، لذلك فإن مشكلة لعنة الفائز تكون أكبر في المزادات الهولندية منها في المزادات الإنجليزية، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار النهائية.
تعكس هذه النتيجة تحديدًا مبدأً عامًا: يوفر تنسيق المزاد عائدًا أعلى كلما كان الرابط أقوى بين عروض الأسعار والمعلومات الخاصة لمقدمي هذه العروض. لذلك فإن البائع له مصلحة في تزويد المشاركين بأكبر قدر ممكن من المعلومات حول قيمة الكائن قبل البدء بتقديم العروض. على سبيل المثال، يمكن لبائع المنزل أن يتوقع سعرًا نهائيًا أعلى إذا كان لمقدمي العروض إمكانية الوصول إلى تقييم خبير (مستقل) قبل بدء تقديم العطاءات.
المزاد متعدد الجولات المتزامن SMRA:
لم يكرس ميلغروم وويلسون نفسيهما فقط لنظرية المزادات الأساسية، فقد ابتكروا أيضًا أشكالًا جديدة وأفضل للمزادات ذات الحالات المعقدة التي لا يمكن فيها استخدام أشكال المزاد العادية. وأشهر مساهماتهم هي المزاد الذي صمموه حين قررت السلطات الأمريكية لأول مرة بيع ترددات لاسلكية لمشغلي الاتصالات.
تعد الترددات اللاسلكية التي تسمح بالاتصال اللاسلكي -مكالمات الهاتف المحمول أو مدفوعات الإنترنت أو اجتماعات الفيديو- موارد محدودة ذات قيمة كبيرة للمستهلكين والشركات والمجتمع. هذه الترددات مملوكة للحكومة، ولكن يمكن للجهات الفاعلة الخاصة في كثير من الأحيان استخدامها بكفاءة أكبر. لذلك كان على السلطات تخصيص الوصول إلى نطاقات التردد لهذه الجهات الفاعلة. واستُخدمَت طريقة السحب العشوائي لتخصيص هذه النطاقات، أي ستُختار الجهة التي ستدير هذه الاتصالات عشوائيًّا من قبل المتقدمين، ولكن مشغلي هذه الشبكات لم يكونوا راضين عن هذه الطريقة.
عُقد هذا السحب على مستوى كل ولاية على حدة، لذا فإن مستخدمي الهاتف المحمول على مستوى الولايات المتحدة ككل سيحصلون عادةً على شبكات متقطعة تمامًا بنطاقات تردد مختلفة في مناطق مختلفة. ثم حاول المشغلون شراء الترددات وبيعها فيما بينهم، مما أدى إلى ظهور سوق كبير للتراخيص المستعملة. في غضون ذلك، أدى تزايد الدين القومي للولايات المتحدة إلى صعوبة سياسية متزايدة في مواصلة توزيع التراخيص بالمجان تقريبًا. كانت القيمة السوقية للتراخيص عدة مليارات من الدولارات، الأموال التي انتهى بها الأمر في أيدي المضاربين المتكررين بدلًا من الخزانة الأمريكية (خسارة الإيرادات التي يتحملها دافعو الضرائب في النهاية). أخيرًا، في عام 1993، قُرّر توزيع نطاقات التردد باستخدام المزادات.
ظهرت الآن مشكلة جديدة، كيف تصمم مزادًا يحقق التخصيص الفعال لنطاقات التردد اللاسلكي، بينما يفيد دافعي الضرائب في نفس الوقت إلى أقصى حد ممكن؟ تبين أنه من الصعب جدًّا حل هذه المشكلة، نظرًا لأن نطاق التردد يحتوي على مكونات ذات قيمة خاصة وعامة. كما أن قيمة نطاق تردد معين في منطقة معينة تعتمد على نطاقات التردد الأخرى التي يمتلكها مشغل معين.
وللتحايل على مشكلة اختلاف المشغل في المناطق الجغرافية المختلفة، كان على المزاد الأمريكي الأول تخصيص جميع المناطق الجغرافية للطيف الراديوي دفعة واحدة، كما كان عليها إدارة العديد من مقدمي العروض. لمعالجة هذه المشكلات، اخترع ميلغروم وويلسون شكلَ مزاد جديدًا تمامًا، وهو المزاد متعدد الجولات المتزامن Simultaneous Multiple Round Auction (SMRA). يقدم هذا المزاد جميع الأشياء (والتي هي نطاقات تردد الراديو في مناطق جغرافية مختلفة) في وقت واحد. من خلال البدء بأسعار منخفضة والسماح بالعروض المتكررة، يقلل المزاد بهذه الطريقة من المشاكل الناجمة عن عدم اليقين ولعنة الفائز. عندما استخدمت لجنة الاتصالات الفدرالية SMRA لأول مرة في يوليو 1994، باعت 10 تراخيص في 47 جولة مزايدة بإجمالي 617 مليون دولار، أشياء كانت الحكومة الأمريكية قد خصصتها سابقًا مجانًا!
اعتبر مزاد الطيف الأول باستخدام SMRA عمومًا نجاحًا كبيرًا. اعتمدت العديد من البلدان (بما في ذلك فنلندا والهند وكندا والنرويج وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة والسويد وألمانيا) نفس الشكل لمزادات الطيف الخاصة بهم. حققت مزادات لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) وحدها -باستخدام هذا الشكل- أكثر من 120 مليار دولار على مدى عشرين عامًا (1994-2014)، وعالميًّا، أنتجت هذه الآلية أكثر من 200 مليار دولار من مبيعات الطيف. كما استُخدِم شكل SMRA في سياقات أخرى، مثل مبيعات الكهرباء والغاز الطبيعي.
المصدر :
https://www.nobelprize.org/prizes/economic-sciences/2020/popular-information/


تحميل المقال كـ PDF عبر باتريون

التعليقات

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن




المساهمون في الإعداد