.





عندما تصبح أقوى حجج التطور حججاً عليه وألغازاً يجب حلها!

عندما تصبح أقوى حجج التطور حججاً عليه وألغازاً يجب حلها!

حين تسأل أي تطوري عامي أو حتى عالم، عن أقوى حجة تقنعه بأنه حقا قد حدث تطور عبر الزمان، سيقول لك دون أدنى شك: التشابهات البنيوية بين الكائنات .. وسيخرج لك فوراً بعض الصور لتشابه نمط العظام بين الأطراف الأمامية للإنسان و الحصان والخفاش .. ثم سيقول بكل ثقة: “لا يوجد أي تفسير لهذه التشابهات سوى أنها تطورت من سلف مشترك لكل هذه الحيوانات قد عاش في قديم الزمان”.

هكذا يتم إقناع الناس بالتطور، عبر عرض بعض الصور لأطراف كائنات مختلفة توضح تشابه نمط العظام بينها ثم التعقيب بثقة في النفس أن القضية محسومة ولا ريب دون أن تسأل ولا تستفسر ولا تكثر الكلام! هذه الحجة “التاريخية” قد أشار إليها داروين في كتابه ” أصل الأنواع” حين قال:

“What can be more curious than that the hand of a man, formed for grasping, that of a mole for digging, the leg of the horse, the paddle of the porpoise, and the wing of the bat, should all be constructed on the same pattern, and should include the same bones, in the same relative positions?” (1)

“ما الذي يمكن أن يثير الفضول أكثر من يد إنسان معدة للإمساك، ويد خلد معدة للحفر ورِجْلِ حصان وزعنفة حوت وجناح خفاش، كلها مبنية علي نفس النمط، وتحتوى على نفس العظام في نفس الأماكن بالنسبة لبعضها البعض؟”.

فما صحة هذا الدليل بعيداً عن الدعايات التطورية؟!

منذ عهد داروين و الدارسون للعلوم الطبيعية والتاريخ الطبيعي و التشريح يعلمون أن الأطراف الأمامية والأطراف الخلفية لرباعيات الأرجل تتشابه بطريقة مدهشة، فهي تتشارك ليس فقط في نمط العظام، بل وفي العضلات وفي كيفية ارتباطها بهذه العظام وفي الكثير من الأمور الأخرى (2).

الإشكال هنا هو أن الأطراف الأمامية والخلفية لرباعيات الأرجل وجب أنها قد تطورت من الزعانف الأمامية والزعانف الخلفية للأسماك العظمية على الترتيب حسب السيناريو التطوري .. لكن للأسف، فإن الأسماك العظمية – مثل سمكة ال سيلاكنث ( Ceolocanth) لها زعانف ليس لها نفس نمط العظام الموجود في أطراف رباعيات الأرجل والعضلات الموجودة فيها ولا أي شيء من الأشياء التي تشترك و تتشابه فيها الأطراف الأمامية والخلفية لرباعيات الأرجل!! (2). هذا يعني أن التشابهات التي نجدها بين الأطراف الأمامية والخلفية لم تنتج بسبب أنه كان هناك كائن له أطراف أمامية أو أطراف خلفية تمتلك كل هذه الصفات ثم حدث استنساخ لها فأصبح هذا الكائن رباعي الأرجل!!

التطوريون اقترحوا للخروج من تلك المعضلة فرضية أخرى، أن هناك عملية استنساخ للأطراف حدثت في الماضي السحيق وأعطوها اسماً جديداً لامعاً Serial Homology .. لكن هذه الفرضية كما تقول دراسة حديثة هي مجرد “سوء فهم كبير”!

ففي دراسة نشرت في مجلة Biological Reviews (2) قام فريق بحث عالمي مكون من أربعة علماء بدراسة هذا الموضوع ومراجعة العديد من البحوث العلمية في هذا الباب وقد تمت عنونة هذه الدراسة كما يلي:

” New, Puzzling insights from comparative myological studies in the old and unsolved forlimb/hindlimb enigma”

“نظرة جديدة محيرة من الدراسات المقارنة للعضلات على لغز الأطراف الأمامية/الخلفية القديم وغير المحلول”

في هذا البحث، يشرح الفريق العالمي أسباب عدم شهرة هذا اللغز التطوري المعضل و يعزو الأمر إلى أنه يسبب “ارتباكا” في المفاهيم عند التطوريين، فحسبوا أن فرضياتهم حلاً بينما في الواقع فإن الحل غير موجود!! حيث يصرح الباحثون:

“In our view, this confusion has led, particularly in the last decades, to the overlooking of a crucial and puzzling question: why are the skeletal and particularly the muscle structures of the forelimb and hindlimb actually so strikingly similar to each other?”

“في رأينا، فإن هذا الارتباك قد أدى، خاصة في العقود الماضية، إلى إهمال سؤال أساسي و معضل: لماذا الهياكل العظمية و خاصة عضلات الأطراف الأمامية و الخلفية تشبه بعضها البعض بشكل مدهش؟”

هذه المعضلة صعبة جداً و لها تبعيات كثيرة وخطيرة على نظرية التطور لدرجة أن هؤلاء العلماء يُذَكِرون أصدقاءهم من العلماء التطوريين أن نظرية التطور قد تم انتقادها بقسوة بناءاً علي تلك الحقيقة، التي أهملوها ولم يعيروها اهتماماً .. بل يعترفون أنه من المدهش أن بعض “الخلقويين” يَعُونَ ويدركون هذه الأسئلة التطورية أفضل من الكثير من التطوريين فتقول الدراسة:

” This confusion and particularly the failure to address this question and explain this striking similarity in a satisfactory scientific way created the opportunity for speculation and for harsh criticisms of evolutionary biology, mainly by creationists that argue that this is a clear example of an unsolvable paradox for evolutionary biologists. These creationists argue that it is not proposed in evolutionist literature that fore- and hindlimbs descended from a ‘common limb’, i.e. that there was never a tetrapod or a tetrapod ancestor with four exactly identical limbs, so according to them it is impossible to explain in an evolutionary context why the hard and soft-tissue structures of the hindlimbs and forelimbs are so similar (e.g. Denton, 1985). None of the authors of the present paper subscribes to such creationist views, however we think that it is remarkable, and important for the purpose of this paper, to see that some creationists are more aware of such a crucial evolutionary question than many evolutionary and developmental biologists.”

“هذا الارتباك و خاصة الفشل في إجابة هذا السؤال و تفسير التشابهات المدهشة بطريقة علمية مقنعة خلق الفرصة للتخمينات ولنقد التطور بطريقة قاسية من الخلقويين الذين يحتجون بأن هذا مثال واضح علي معضلة تطورية غير قابلة للحل. هؤلاء الخلقويين يحتجون أنه من غير المقترح في كتابات التطوريين أن الأطراف الأمامية و الخلفية هي سليلة “طرف مشترك” أي أنه لم يكن هناك أبداً كائن رباعي الأرجل أو سلف لرباعيات الأرجل يمتلك أربعة أرجل متطابقة بالكامل .. إذا حسبهم، فإنه من المستحيل شرح لماذا الأطراف الأمامية و الخلفية متشابهة في سياق تطوري (دانتون، 1985) .. لا أحد من مؤلفي هذه الدراسة يعتبر نفسه خلقوي، لكننا نظن أنه من المدهش ومن المهم لهذه الدراسة أن نشير إلى أن بعض الخلقويين على قدر أعلى من الوعي بهذه الأسئلة التطورية الجوهرية من الكثير من التطوريين و علماء بيولوجيا التطور الجنيني”

ينتقل هؤلاء العلماء إلى إثبات وجود هذا اللغز بالأدلة الدامغة و عبر توضيح مواطن الارتباك ثم ماذا؟

بسيطة، سنحل هذا اللغز عبر تقديم مبررات وترقيعات وافتراضات أخرى تطورية لوجود هذه التشابهات.

هذه الترقيعات تكمن ببساطة في الكلمة السحرية “التطور المتقارب و المتوازي”!! أي أن التطور وجد نفسه تحت ظروف وظيفية وهيكلية وفيلوجينية وتخليقية (في الجنين) فأنتج بمحض الصدفة أنماط عظام وعضلات وتشابهات مدهشة .. فما بيده حيلة المسكين!!

بغض النظر عن سخافة القول بالتطور المتقارب والمتوازي و الذي هو حقيقةً مجرد لجوء للمعجزات، فكيف يمكن للتطور العشوائي الأعمى الذي لا غاية له أن ينتج هياكل متشابهة إلى هذه الدرجة! وبغض النظر عن هذا، فإن هناك إشكالية أخرى و عويصة جداً تنتج من هذه الفرضية، وهي أنها تنسف دليل التشابه أو الـ Homology عن بكرة أبيه، فلا تبقى له قائمة أبداً .. إذ يمكن باللجوء لنفس الطريقة أن يدعي أي أحد أن أي تشابه هو نتاج (تطور متقارب أو متوازي) حدث بالصدفة بشكل منفصل وليس عن طريق سلف مشترك أبداً!!

تشابه نمط العظام في الأطراف الأمامية لرباعيات الأرجل يمثل أحد أقوى الأدلة على حدوث التطور في رأي مؤلفي ورقة بحثية (3) نشرت في 2018، حيث أن هؤلاء الباحثين (في الفلسفة) قد اقترحوا استخدام تشابه نمط العظام كحجة أساسية في تعليم التطور في المدارس و نشره بين الناس .. هذا لإنه في رأيهم لا يوجد أي سبب لتشارك يد إنسان وزعانف حوت وأرجل حصان و أجنحة خفاش في نفس نمط العظام! في رأيهم التفسير الوحيد هو “أصل مشترك” أي سلف مشترك!

يبدوا أن مؤلفي تلك الدراسة يجهلون كلية أن نمط العظام هذا لا يستلزم “أصل مشترك” ليوجد كما يقترح بقية التطوريين .. ويبدوا أن التطوريين مستمرون في جهلهم بهذه المسألة رغم أن معارضوا التطور أمثال مايكل دانتون (الخلقوي حسب الدراسة) قد أشاروا إليها منذ 1985 أي قبل حوالي 34 سنة وهذا باعتراف فريق التطوريين في الدراسة السابقة!

إذا كان التشابه بهذه الدرجة المدهشة لا يستلزم أصلاً مشتركاً كما يقولون (2)، إذا لماذا يُعتبر التشابه بين الأطراف الأمامية لرباعيات الأرجل دليلا علي التطور إلي يومنا هذا؟ لماذا لا تزال كل كتب التطور تعرضه؟ بل وحتى الأوراق البحثية التي تهدف للتعليم التطور و نشره ترتكز عليه كحجة أساسية؟

الجدير بالذكر أن “أجنة هيجل” المزورة بقيت تستخدم في الترويج لصحة التطور حتى بعد عشرات السنين من ثبوت تزويرها و بطلانها، ربما القياس علي هذه القضية قد يعطينا إجابة في حالتنا هذه .. لكننا سنترك الأمر للقارئ ليتأمل في الدوافع و الأسباب، فمهما كانت هذه الأخيرة فإن النتيجة لا تتغير، أقوى دليل علي حدوث التطور باطل، بل ويهدم نفسه بنفسه.

المصادر:  1  2  3  4  5  6


لا توجد تعليقات

اكتب تعليق